دراسات

كيف تغيرت تركيا خلال 5 سنوات | العلاقات الخارجية التركية بين عامي 2015 – 2020

بواسطة
تحميل نسخة PDF

تمهيد 

نستعرض خلال هذه السلسلة من الدراسات التطورات الواسعة بمكانة تركيا الدولية ووضعها الإقليمي والداخلي خلال السنوات الخمس الأخيرة (2015-2020)، وهي سنوات شهدت تغيرات نوعية وجوهرية، منها الانقلاب الفاشل عام 2016 

وما تلا ذلك من اعادة هيكلة وبناء للدولة التركية، ثم الاستفتاء وتغيير نظام الحكم إلى النظام الرئاسي، وما رافق ذلك من تغييرات دولية وإقليمية أبرزها وصول دونالد ترامب لرئاسة الولايات المتحدة، ثم مغادرته البيت الأبيض لصالح جو بايدن، وتغير أولويات الإدارة الأمريكية، واتجاه السياسة الخارجية التركية بشكل ملفت   وفعّال بذات الفترة نحو ساحات دولية مثل سوريا وليبيا، والدور التركي المتزايد في أفريقيا وآسيا الوسطى، ثم حدوث جائحة كورونا مع كل ما فرضته من تغييرات اقتصادية واجتماعية وحتى سياسية، كل ذلك يجعل من هذه السنوات الخمس معلماً بارزاً ومفصلياً لتركيا، نتناولها بدراسات تشمل الطاقة والتصنيع العسكري والعلاقات الخارجية والوضع الداخلي والاقتصاد التركي، والتدخلات العسكرية الخارجية وتأسيس قواعد عسكرية خارج الحدود الوطنية، حيث سنرى تصاعد وتفوق الدور التركي إقليميا ودوليا خلال تلك السنوات، مع وجود تحديات تواجه تركيا في سياق مسيرتها الحالية نحو تبوأ مكانة دولية متقدمة، ونحن نتمنى أن تسهم سلسلة الدراسات هذه بإبراز الحقائق ورسم صورة شاملة لتركيا الآن مقارنة مع تركيا قبل خمس سنوات. 

د. مصطفى الوهيب

مدير مركز الأناضول لدراسات الشرق الأدنى (أيام)

1 – المقدمة

تمر تركيا بحالة تحول نسبي في أولويات سياساتها الخارجية ومبادئها تبعا لمتغيرات محلية ودولية جذرية حدثت بين عامي  2015 – 2020. 

محليا: لعب الإنقلاب الفاشل عام 2016، ثم تغيير نظام الحكم إلى النظام الرئاسي  في 2017 دورا مهما بتحديد المسار الحالي للسياسة الخارجية التركية.

دوليا: اضطرت تركيا للتعاطي مع محيط اقليمي غير مستقر في سوريا والعراق وليبيا، فضلا عن الصراع على موارد الطاقة وترسيم الحدود في شرق البحر الأبيض المتوسط، وتدخل تركيا عسكريا في ساحات دولية خارجية، كل هذا أعاد رسم السياسة الخارجية التركية وغير علاقاتها مع أطراف عديدة وعلى رأسها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية. 

كما أن موقف تركيا مما يسمى بالربيع العربي، وانحيازها إلى جانب قطر في سياق الأزمة الخليجية كبدها خسائر في علاقتها مع بعض دول الخليج مثل السعودية التي كانت تربطها معها مصالح وعلاقة استراتيجية، فضلا عن المصالح الإقتصادية الضخمة.

نرصد في هذه الدراسة مسار وسياقات العلاقات الخارجية التركية تجاه القوى الإقليمية والدولية، ونفصّل ما طرأ عليها تبعا للأحداث والمتغيرات من بعد عام 2015.

في القسم الاخير للدراسة اضفنا ملحق يبحث في العلاقات التركية مع عدد من الدول على الرغم من عدم حدوث أي تغير في علاقاتها معهم، ولأهمية علاقات تركيا مع تلك الدول اضفنا الملحق.

2 – العوامل الأساسية للسياسة الخارجية التركية

تقليديا يمكن دراسة السياسة الخارجية لبلد ما من خلال تحديد ما تسمى بالـ “المدخلات والمخرجات” كأداة في التحليل. كما تنضبط كل دولة بمجموعة معينة من المبادئ والخبرات والتقاليد التي تشكل “ثوابت” لسياستها الخارجية وتبقى ممتدة على مدى زمني طويل إلى حد بعيد. وهناك مجموعات أخرى من المبادئ يمكن أن نقول عنها “ظرفية متغيرة” ترتبط وتتطور بحسب المتغيرات الداخلية والعالمية.

وفي سياق هذه الدراسة، تأسست السياسة الخارجية التركية مع نشوء الدولة التركية الحديثة على يد كمال أتاتورك، وهي تتشكل تبعا للعوامل التالية: 

1. الأيديولوجية السياسية للنخبة الحاكمة (الكمالية):

طرح مصطفى كمال أتاتورك مؤسس الدولة التركية الحديثة الإطار الأيديولوجي الذي حدد المسار الذي تتبعه السياسة الخارجية التركية، وأن جميع الحكومات التركية بغض النظر عن توجهاتها وضعت مبادئ وسياسات تتلائم مع المبادئ الكمالية، مما يجعل هذه المبادئ أحد الأطر الرئيسية للسياسة الخارجية التركية وهي كالتالي.

  • علمانية الدولة. 

ينظر أتاتورك الى العلمانية على أنها عنصر ضروري من عناصر التحديث، ولا تغطي فقط الحياة السياسية، بل تشمل الحياة الاجتماعية والثقافية بأكملها. وبالنظر لمبدأ العلمانية الذي صاغه أتاتورك لا يجوز للدولة  أن تبني أو تتبنى سياسات داخلية وخارجية على أساس ديني كما في مراحل تاريخية سابقة. 

  • القومية.

حدد أتاتورك مفهوم القومية في إطار المبادئ الأساسية وهي : الوحدة الجغرافية والسياسية، والثقافة، الوحدة التاريخية، بمعنى  إن المجتمع المكون من أشخاص يتشاركون نفس الوطن، ويعيشون في ظل نفس الإدارة السياسية، ولديهم  التاريخ المشترك، ويريدون الحفاظ على هذه الشراكة، يحق لهم أن يصبحوا أمة. ويسرد أتاتورك العوامل الفعالة في تشكيل الأمة التركية على النحو التالي :

• الوحدة في الوجود السياسي

• وحدة اللغة

• وحدة المنشأ

• وحدة الأصل

• وحدة التاريخ

  • الجمهورية.

الجمهورية هي المبدأ الأساسي والقيمة الأساسية لأتاتورك. لأن الجمهورية بفكره، تمثل شكلا من أشكال الدولة والحكومة، ولا يمكن الاستغناء عنها، وهي أساس الدولة التركية الجديدة. لذلك منذ عام 1924 ، تم الحفاظ على مبدأ  الجمهورية بكافة الدساتير التي كتبت في تركيا. ويقول أتاتورك أن “شكل الحكومة الذي يوفر التطبيق الأكثر حداثة ومنطقية لمبدأ الديمقراطية هي الجمهورية، وهي الإدارة الأكثر ملاءمة لطبيعة وعادات الأمة التركية.”

2. العامل التاريخي: تستند السياسة الخارجية التركية لسياق تاريخي وثقافي، باعتبارها وريثة الإمبراطورية العثمانية التي كانت تحكم مناطق جغرافية ممتدة  على ثلاث قارات ( آسيا، أفريقيا، أوروبا). واستطاعت الدولة العثمانية التأثير بشكل كبير  في المجتمعات التي حكمتها من ناحية بعض الثقافات والعادات والتقاليد. 

فعلى نطاق الدول الاسلامية والعربية، وباعتبار الدولة العثمانية كانت مركزاً للخلافة الإسلامية لمدة أربع قرون، ساهم هذا الإرث في تفعيل دور تركيا اقليمياً من خلال إحياء التاريخ المشترك والعلاقات التاريخية مع الدول الإسلامية والعربية، وتبعات هذا الإرث تنعكس جوهريا على سياسة تركيا الخارجية. 

3. الموقع الجيوسياسي والجيوستراتيجي: يوفر موقع تركيا المميز جسراً برياً يربط بين أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، ويشكل عنصراً مهماً في تحديد السياسة الخارجية للدولة. كما أن موقع تركيا الجغرافي الخاص يجعلها دولة بلقانية ومتوسطية وقوقازية وشرق أوسطية وأوروبية في نفس الوقت. كما أنه يجعل تركيا معرضة بشكل مضاعف للتطورات الدولية القريبة والبعيدة، وبالتالي ستكون تركيا حساسة للغاية تجاه التغيرات في التوازن السياسي الدولي والإقليمي.

خلق الموقع الجغرافي لتركيا “متلازمة الأمن القومي” كما صاغها رئيس الوزراء السابق “مسعود يلماز”. وفي هذا السياق فقد أثَّر تفكك الاتحاد السوفيتي والتطور المستمر لأوروبا الشرقية في الماضي القريب على سياسات تركيا الخارجية والأمنية، وأزمتي البوسنة والهرسك وكوسوفو في البلقان، والصراعات حول ناغورنو كاراباخ والشيشان وأبخازيا في القوقاز، وكلها وقعت في الجوار الإقليمي المباشر لتركيا. وقد نشأت مخاوف من إمكانية إقامة دولة كردية مستقلة في شمال العراق بعد حرب الخليج 1990-1991. 

وتتأثر تركيا باعتبارها جزءا من الشرق الأوسط بشكل كبير بعدم الاستقرار الذي تعيشه المنطقة، وأي تطور مزعزع للاستقرار في المنطقة  قد يسبب إشكالات أمنية لها. وبالتالي، فإن انعدام الأمن العام في المنطقة قد أثر بشكل متفاقم  على تركيا مثل الحرب الخليجية الأولى والثانية، ومن قبلها كانت الحروب العربية الإسرائيلية، وأخيراً حالة الفراغ الأمني والحروب بعد ثورات الربيع العربي. 

2 – 1  ثوابت السياسة الخارجية التركية 

الثوابت في السياسة الخارجية هي  العناصر التي تؤثر  وتتأثر فيها السياسة الخارجية للدولة ولا يمكن تجاهلها أو تغيرها بشكل سهل أو مفاجئ. وتعبر  الثوابت في السياسة الخارجية عن توجهات الدولة تجاه القضايا الإقليمية والعالمية.

ويمكن تصنيف الثوابت في السياسة الخارجية التركية كالتالي: 

  • العضوية في الناتو: الحفاظ على عضويتها في أكبر كتلة عسكرية في العالم (الناتو).
  • الإنتماء لأوروبا: تركيا هي عضو مؤسس في جميع المؤسسات الأوروبية تقريبًا بما في ذلك مجلس أوروبا ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا.
  • الشركة الإستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية: ظلت بوصلة السياسة الخارجية التركية متسقة مع توجهات الولايات المتحدة منذ تأسيس الجمهورية التركية الحديثة.
  • الإمتداد في آسيا الوسطى والقوقاز: سياسة تركية ثابتة تجاه الجمهوريات التركية ( أوزباكستان، أذربيجان، تركمانستان، كازاخستان، قيرغيزستان) في وسط آسيا ومنطقة القوقاز، لوجود الروابط اللغوية والعرقية بينهم.
  • أمن البحر الأسود. تشكل العلاقات مع روسيا وأمن البحر الأسود محورا استراتيجيا.

2 – 2 المتغيرات في السياسة الخارجية التركية 

يعرّف التغير في سياق السياسة الخارجية بأنه ظاهرة سياسية خارجية تتضمن بداخلها مجموعة واسعة من التغيرات النسبية التي تتراوح بين تغير متواضع (ويكون متكرراً) ولا يؤثر على توجهات الدولة الأساسية، أو تغييرا جذريا يتطلب إعادة هيكلة للسياسة الخارجية وإقناع الجهات الحكومية البيروقراطية والمجتمع (إن كان النظام ديمقراطيا) لإحداث هذا التغيير، ويعد هذا النوع من التغير  الجذري (غير متكرر). 

استعرضنا في النقطة السابقة العوامل الاساسية والثوابت في السياسة الخارجية التركية التي لم تتغير بتغير الحكومات والأزمنة، وسنستعرض هنا أهم الملفات التي تتغير  ضمن اهتمامات السياسة الخارجية التركية، والتي يمكن تصنيفها لمجموعتين اقليميتين رئيسيتين: البلقان، والشرق الأوسط، وتتغير سياسات تركيا مع دول هذه المناطق بحسب المتغيرات السياسية الإقليمية والدولية، وما تعيشه تلك الدول من أحداث وما يصدر عنها من نتائج. 

2 – 2 -1  الشرق الأوسط

تغيرت سياسة تركيا تجاه دول الشرق الأوسط بتغير المراحل الزمنية والحكومات التركية. ففي عهد الحزب الواحد في الخمسينات من القرن الماضي كانت العلاقات مع الدول العربية جامدة، واستمرت بالتغير بين مرحلة وأخرى بشكل نسبي حتى سقوط الاتحاد السوفيتي. وأدى وصول حزب العدالة والتنمية للحكم إلى ظهور تقارب كبير مع الدول العربية والدول الاقليمية مثل إيران. وارتفع التبادل التجاري مع عدد كبير من دول المنطقة. 

2 – 2- 2 – روسيا ودول البلقان 

تغيرت أولوية السياسة الخارجية التركية تجاه روسيا ودول منطقة البلقان بتغير الأحداث الدولية. ودائما ما كان العداء سيد  الموقف في العلاقات التركية الروسية، ففي فترة الحرب الباردة ارتفعت وتيرة المواجهة بعدما وقفت تركيا إلى جانب المعسكر الغربي، وانضمت إلى حلف الناتو لمواجهة التمدد السوفياتي في الشرق الأوسط وآسيا. وبعد سقوط الاتحاد السوفياتي وخلال فترة التسعينات، بدأت العلاقات بين تركيا وروسيا تأخذ حيزا مهما من سياستهما الخارجية، وكانت البداية عبر تنفيذ مشاريع خطوط الغاز  لتصدير الغاز الروسي  لتركيا. وفي فترة حكم حزب العدالة والتنمية منذ عام 2002  ارتفعت قيمة التبادل التجاري بين البلدين.

أما دول منطقة البلقان، فقد أولتها السياسة الخارجية التركية زمن الحرب الباردة أهمية كبيرة لكونها قاعدة أمامية للكتلة الغربية، واستفادت بشكل كبير من أهميتها الإستراتيجية، على الرغم من أن هذه الأهمية كانت عرضة للتقلبات التي أحدثتها التأثيرات السياسية. وارتفعت أولوية منطقة البلقان بالنسبة لتركيا خلال الحرب في البوسنة، ثم انخفضت تلك الأولوية بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وانتهاء الحرب البوسنية، واستعادة الاستقرار في المنطقة.

2 – 3 استراتيجيات السياسة الخارجية التركية 

استندت السياسية الخارجية التركية لثلاث استراتيجيات رئيسية نلخصها بإيجاز كما يلي.

2 – 3 – 1 الإستراتيجية الأولى: سلام في الوطن سلام في العالم

اتبعت تركيا في سياستها الخارجية استراتيجية “سلام في الوطن سلام في العالم”، لفترة طويلة من الزمن امتدت من فترة تأسيس الدولة حتى بداية الالفية الجديدة.  وتعود هذه الاستراتيجية بصياغتها لمؤسس الجمهورية “مصطفى كمال أتاتورك” وهي أحد أهم الثوابت في السياسة الخارجية التركية.

اتبعت تركيا هذه الاستراتيجية التي تعني اللجوء للسلم والأساليب السلمية في العلاقات الخارجية، عبر احترام مبادئ القانون الدولي، واتبعت تركيا هذه الاستراتيجية في بداية تأسيسها من أجل المحافظة على استقلالها وحماية الدولة من الحروب التي كانت تشتعل بين القوى الكبرى في أوروبا، وعدم الدخول في تلك حروب مع أي طرف من الأطراف، التي ربما في حالة انهزامها تضعها  تحت سلطة انتداب إحدى الدول المنتصرة في الحرب.

2 – 3 – 2 الاستراتيجية الثانية: استراتيجية صفر مشاكل 

استراتيجية “صفر مشاكل” قام بصياغتها وزير الخارجية الأسبق أحمد داود أوغلو وتعني  “تأسيس العلاقات الودية مع دول المنطقة” وتستند الى عدة مبادئ أساسية: التوازن بين الأمن والحرية ( أن تكون حرية التعبير والديموقراطية محكومة بقوانين معينة، كي لا تضر بالأمن القومي للدولة)، وعدم وجود مشاكل مع الجيران  (كأنهاء المشاكل سوريا وقبرص، وتطبيع العلاقات مع أرمينيا)، وسياسة خارجية متعددة الأبعاد (بمعنى عدم الاعتماد على طرف دولي واحد،  والمقصود هنا المعسكر الغربي، أنما الانفتاح على الشرق ايضاً، بما يحقق التوازن، ويضمن المصالح التركية)، وسياسة إقليمية نشطة (من خلال تعزيز العلاقات من الدول الاقليمية، وتفعيل الدور التركي الهام في المنطقة) ، وأسلوب دبلوماسي جديد (يقوم على التخلي عن الخلافات المزمنة التي تهيمن على أجندة السياسة الخارجية مما يستنزف طاقتها في العلاقات الدولية).

بدأ العمل على هذه الاستراتيجية مع وصول حزب العدالة والتنمية للحكم عام 2002، وقامت الدولة التركية بعدة مبادرات استناداً لهذه الاستراتيجية، نذكر أبرزها:  

  • المبادرة لحل مشكلة قبرص
  • إنهاء الأعمال العسكرية مع سوريا
  • تطبيع العلاقات مع أرمينيا.
  • تعزيز العلاقات مع المناطق الدولية النامية مثل آسيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا.

حافظت تركيا على استراتيجية صفر مشاكل وعدم التدخل في الدول الاخرى حتى  عام2015. ومثلت هذه الاستراتيجية “دبلوماسية القوة الناعمة”. 

2 – 3 – 3 الاستراتيجية الثالثة: استراتيجية الوطن الازرق (باللغة التركية: مافي وطن Mavi Vatan)

تعود أصول “عقيدة الوطن الأزرق” التركية الى خطة وضعها الأميرال التركي جيم جوردينيز في عام 2006.  والذي بلور هذه العقيدة هو الأميرال المتقاعد الأستاذ الدكتور جهاد يايجي رئيس الأبحاث البحرية والإستراتيجية لدى جامعة باهجة شهير. وتؤكد هذه العقيدة على نفوذ تركيا في البحر المتوسط ​​وبحر إيجه والبحر الأسود والتوسع فيه، من خلال الدبلوماسية الحازمة والوسائل العسكرية وتمكين الوصول إلى الطاقة والموارد الاقتصادية الأخرى، وتمثل هذه الاستراتيجية  “القوة الصلبة”.

 تبنى الرئيس أردوغان عقيدة الوطن الأزرق في عام 2015 كجزء من استراتيجية وطنية “للدفاع الأمامي” في سياق مساعيه المستمرة لتأكيد استقلال تركيا في جميع جوانب السياسة الخارجية لتشمل التأثير في المناطق المحيطة بها .

وضمن عقيدة الوطن الازرق، طورت تركيا من أسلحتها البحرية بشكل كبير، ويمكن الاطلاع على ملف كيف تغيرت تركيا خلال خمس سنوات الصناعات العسكرية . 

تبدو تركيا حاليا أكثر استعدادا لاستخدام القوة العسكرية في تنفيذ رؤيتها وأهدافها وسياستها وفقا لهذه العقيدة،مثل نشر فرقاطات عسكرية تركية لتأمين التنقيب عن النفط في شرق المتوسط والتدخل العسكري في ليبيا ودعم الحلفاء بالقوة العسكرية مثل أذربيجان وقطر.

3 – العلاقات التركية الروسية 

بالاستناد إلى الثوابت والمتغيرات في السياسة الخارجية التركية، تصنف علاقات تركيا مع روسيا بـ “المتغيرة” ، ودائما ما كان الصراع والعداء سيد الموقف في العلاقات بين البلدين. فتاريخياً  ومنذ قرون خاض العثمانيون 12 حرباً ضد الإمبراطورية الروسية  التي كانت تطمع بالسيطرة على أجزاء من الدولة العثمانية “مضيقي البوسفور والدردنيل” كما هو ملخص في الجدول رقم (1).

جدول رقم (1): ملخص الحروب التاريخية بين تركيا وروسيا

التسلسلالفترة التاريخيةنتيجة الحرب 
1568–1570انتصار عسكري روسي
21676–1681
31686-1700استطاعت روسيا احتلال اجزاء من اراضي الدولة العثمانية 
41710-1711انتصار العثمانيين واستعادة أراضي محتلة 
51735-1739استطاع العثمانيون السيطرة على العديد من المناطق في بلغراد وصربيا من خلال معاهدة بلغراد 
61768-1774 انتصار روسيا وسيطرتها على أراضي في القرم
71787 – 1792انتصار روسيا، واعتراف العثمانيين بالقرم  لروسيا 
81812ضمت روسيا مدينة  بيسارابيا
91828-1829احتلت روسيا إمارة الدانوب ، واستقلال اليونان عن الإمبراطورية العثمانية
101853-1856انتصار العثمانيين والبريطانيين والفرنسيين .و تتنازل روسيا عن مولدوفا وتعترف بحكم القانون بالسيادة العثمانية على إمارات الدانوب
111877-1878انتصار روسيا وحلفائها استقلال رومانيا وصربيا والجبل الأسود بحكم القانون واستقلال بلغاريا الفعلي عن الإمبراطورية العثمانية
12الحرب العالمية الأولى 1916انتصار ألمانيا والعثمانين على الروس، وتوقيع معاهدة قارص: التي أعادت للدولة العثمانية أراضي كانت قد احتلتها روسيا 

بقيت المصالح متضاربة بين البلدين في العديد من الملفات،  وهنا نخص بالذكر الفترة الممتدة   بين عامي 2015 – 2020 ، ولاسيما بعد التوسع العسكري لروسيا في سوريا وأرمينيا، ومناطق جورجيا الانفصالية،  وأبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، وفي شبه جزيرة القرم، وأخيراً في ليبيا، مما خلق تخوفاً لدى تركيا من تطويقها عسكرياً من قبل الروس. 

وخلال تصدر حزب العدالة والتنمية للحكم  في تركيا، شكلت العلاقات الاقتصادية القوة الدافعة وراء تماسك العلاقات بين البلدين، إذ تعتبر  روسيا من أهم الشركاء التجاريين لتركيا، وبلغ حجم التجارة بين الدولتين 26 مليار دولار أمريكي في عام 2019، فيما بلغت قيمة الصادرات التركية 3.854 مليار دولار أمريكي، وقيمة الواردات التركية 22.454 مليار دولار أمريكي، وتشكل موارد الطاقة أحد أهم الواردات التركية من روسيا. وتشكل مشاريع الطاقة، مثل محطة الطاقة النووية Akkuyu، وخط أنابيب الغاز TurkStream، وخط التيار الأزرق القاعدة الصلبة للعلاقات بين الدولتين. كما أن للتعاون في مجال السياحة بين تركيا وروسيا حيزاً مهمًا للعلاقات الثنائية، مع زيارة أكثر من 7 ملايين سائح روسي لتركيا عام 2019.

3 – 1 أمن البحر الأسود 

يصنف أمن البحر ضمن الثوابت في أولويات السياسة الخارجية التركية. 

وتتنافس كل من روسيا وتركيا بشكل مستمر  على النفوذ في البحر الأسود. 

تاريخياً: عملت روسيا منذ قرون إلى الوصول إلى البحار الدافئة والسيطرة على مضيقي البوسفور والدردنيل. ولتحقيق هذا الهدف خاضت سابقاً ضد الدولة العثمانية حوالي 12 حرباً (الجدول رقم ١)، لكن لم تنجح في السيطرة على تلك المضائق، بل اكتفت بعقد المعاهدات الدولية مع تركيا ودول أخرى لتنظيم مرور السفن بكافة اشكالها وانواعها، وكانت معاهدة مونتيرو الموقعة عام 1936 في سويسرا  أخر معاهدة موقعة تنظم عبور السفن من المضائق، وقد وقع على الاتفاقية كل من ( تركيا، الاتحاد السوفيتي، المملكة المتحدة، اليابان، بلغاريا، فرنسا، اليونان، رومانيا، يوغسلافيا سابقاً) وأهم ما نصت عليه المعاهدة ما يلي: 

  • منح تركيا السيطرة التامة على مضيقي البوسفور والدردنيل
  • تنظيم مرور السفن العسكرية 
  • ضمان حرية تنقل الكاملة للسفن التجارية والملاحة في المضائق في وقت السلم، وتحت أي علم وأي نوع من البضائع
  • سمحت الاتفاقية لتركيا بإعادة التسليح العسكري على جانب أو بالقرب من المضائق 
  • تأكيد الحق لتركيا بإغلاق المضيق أمام السفن الحربية الأجنبية في فترات الحرب أو عندما تكون مهددة بالعدوان
  •  الحق لتركيا  برفض عبور السفن التجارية التابعة لدول تكون في حالة حرب مع تركيا
  •  على الدول التي ليس لها شاطئ على البحر الأسود وترغب في إرسال سفينة عسكرية إخطار تركيا قبل 8 أيام من موعد المرور
  • لا يجوز لأكثر من تسع سفن حربية أجنبية مجموع حمولتها الإجمالية 15,000 طن أن تعبر في وقت واحد
  • يسمح للسفن الحربية التابعة لدول البحر الأسود بعبور سفنها بحمولة مفتوحة، وأن لا يزيد عدد سفن الحماية لها عن مدمرتين

تعتبر روسيا وريثة الاتحاد السوفيتي الأكثر استفادت من المعاهدة بحكم أنها الدولة الأكثر امتلاكاً للسفن والغواصات البحرية والتجارية. 

عارضت تركيا احتلال روسيا لشبه جزيرة القرم عام 2014، كون ذلك سمح لها بتوسيع قدرتها ومساحتها البحرية، وتحويل التوازن الاستراتيجي لصالحها. فقد توسع الخط الساحلي لروسيا بعد احتلال جزيرة القرم من 475 كيلومترا إلى 1200 كيلومتر  أي حوالي 25 في المائة من إجمالي واجهة البحر. وهذا تقريبا طول شواطئ تركيا على البحر الأسود، وهو 1785 كيلومترًا أي حوالي 35 في المائة من إجمالي الساحل. كما أصبحت روسيا بتواجدها العسكري في القرم  أقرب جفرافياً إلى السواحل التركية. كما أثار الضم مخاوف تركيا بشأن تتار القرم الترك، الذين يتمتعون بعلاقات وثيقة تاريخيا مع تركيا. وقد ردت تركيا بعد ضم روسيا للقرم بحشد  عسكري على سواحل البحر الأسود، وشجعت الناتو على الانتشار في البحر.

وكان لاحتلال روسيا شبه جزيرة القرم، والأزمة السياسية مع أوكرانيا، ووقوف تركيا إلى جانب أوكرانيا تداعيات استراتيجية على كلا الدولتين.  

3 – 2 النزاع حول ناغورنو كاراباخ 

تصنف السياسة الخارجية التركية علاقاتها مع  أذربيجان ضمن الثوابت، لذلك دعمت تركيا أذربيجان في كافة المجالات فيما يخص قضية  ناغورنو كاراباخ.

تدعم روسيا وتركيا طرفي النزاع الأرميني الأذربيجاني حول ناغورنو كاراباخ. فموسكو لديها اتفاق دفاعي مع أرمينيا، في حين أن تركيا لديها شراكة استراتيجية واتفاقية دعم متبادل مع أذربيجان، بحكم أن علاقة تركيا مع أذربيجان تعد أحدى الثوابت في السياسة الخارجية التركية.  

وقد شهدت ناغورنو كاراباخ في أوائل أبريل 2016، أخطر تصاعد للعنف منذ توقيع أرمينيا وأذربيجان وقف إطلاق النار بتاريخ 1994. وفي العمليات العسكرية عام 2016  حقق حينها الجيش الأذربيجاني مكاسب طفيفة على الأرض، وأدت تلك العمليات العسكرية الى خسائر كبيرة للدولتين. وشهدت فترة التصعيد العسكري حربًا كلامية بين روسيا وتركيا، حيث انتقد حينها الرئيس أردوغان روسيا لانحيازها إلى الأرمن. وتزامن ذلك التصعيد مع إسقاط تركيا طائرة  Su-24 الروسية ، مما زاد من توتر العلاقات بين الدولتين. 

تاريخياً: تدعم روسيا أرمينيا في جميع خلافاتها ضد أذربيجان، لكن في الحرب الأخيرة بين الطرفين في أواخر 2020، تغير الأمر ولم تقدم الدعم الكافي لأرمينيا إثر مجيئ حكومة أرمنية مناوئة لروسيا بعد ثورة عام 2018. فيما دعمت تركيا حكومة أذربيجان بالاستشارات العسكرية والسلاح، وقدمت لها الدعم السياسي أيضا، وكان ذلك سبباً في استرجاع حكومة أذربيجان لعدة أقاليم محتلة.

3  – 3 الحرب السورية 

بالاستناد إلى العامل الجغرافي كعامل مؤثر في السياسة الخارجية التركية، فقد حازت سوريا حيزاً كبيراً من الوية السياسة الخارجية، لانها أصبحت تشكل مصدر تهديد لها بحكم عدم الاستقرار الداخلي، وانتشار المظاهر العسكرية ذات الانتماء المختلف.

كان للتدخل الروسي التركي في سوريا دورٌ مهمٌ في إعادة صياغة علاقتهما، فقد وضعهم الصراع السوري بحالة مواجهة خلال الفترة الممتدة بين 2012 – 2016، حيث دعمت تركيا المعارضة السورية بهدف الإطاحة بالنظام السوري، في حين نشرت روسيا قواتها في سوريا بتاريخ سبتمبر 2015 لدعم النظام السوري عسكريا. وساعدت القوات الجوية الروسية قوات النظام على تغيير مسار الحرب واستعادة جزء كبير من أراضي الدولة من المعارضة. ووصلت العلاقة بين الدولتين إلى مستوى عالٍ من التوتر  بسبب تضارب المصالح بالملف السوري. 

أسقطت تركيا عام 2015 طائرة سوخوي روسية على الحدود السورية التركية، وتوترت العلاقة بين الدولتين بشكل أكبر،  وبنفس العام استطاعت الدولتين  تخطي أزمة إسقاط الطائرة، وتحسنت العلاقات بينهما وتم التنسيق فيما بينهما في الملف السوري بطرح الاتفاقيات السياسية للحل، مثل اتفاقيات ” استانة، سوتشي”.

3 – 4 العلاقات الاقتصادية 

تصنف روسيا كثاني أكبر شريك اقتصادي لتركيا بعد ألمانيا، في قطاعات التجارة والبنية التحتية والنقل والطاقة والزراعة والسياحة. 

في عام 2016، فرضت روسيا عدة عقوبات اقتصادية على تركيا أدت لتراجع التجارة بين الدولتين بنحو الثلث، من 23.9 مليار دولار في عام 2015 إلى 16.8 مليار دولار في عام 2016. و شهد قطاع السياحة الركود الأكبر  ومن ثم قطاع العقارات، بخسارة لا تقل عن 10 مليارات دولار ، أي ما يزيد عن 1 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي.

 فيما استمرت صادرات الغاز الروسي التي تمثل الجزء الأكبر من التجارة الإجمالية بين الدولتين دون قيود.  

رفعت روسيا في أواخر عام 2016 معظم العقوبات الاقتصادية  التي فرضتها على تركيا بعد إسقاط الطائرة، وزادت التجارة بين الدولتين بنسبة 37٪ في النصف الأول من عام 2018، على أساس سنوي، لتصل إلى 13.3 مليار دولار. وارتفعت الصادرات التركية إلى روسيا بنسبة 47 بالمئة، بينما ارتفعت الواردات من روسيا بنسبة 36 بالمئة. وتم إعادة تفعيل مشروع التيار التركي، وبناء محطة  Akkuyu للطاقة النووية من أجل توليد الكهرباء. 

كما أنشأت روسيا وتركيا صندوقا مشتركا لترتيب علاقاتهما الاقتصادية، وكان الهدف من هذا الصندوق تعزيز التبادل التجاري من خلال العملات المحلية بدلاً من  الدولار. 

عززت تركيا تعاونها الدفاعي العسكري مع روسيا بتوقيع  عقدٍ مع شركة الأسلحة الروسية المملوكة للدولة “Almaz Central Design Bureau”، في 29 ديسمبر 2017، لتوريد بطاريتين من صواريخ S-400. الأمر الذي رفضته دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية. 

4 – العلاقات التركية الأمريكية

على مدار العقود الماضية وحتى كتابة هذه الدراسة تصنف تركيا علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية بالاستراتيجية، وضمن الثوابت التي حددتها في سياستها الخارجية.  لكن في الفترة الاخيرة شهد البلدان خلافات عدة، لاسيما في الفترة ما بعد انقلاب عام 2016، وأصبح التوتر بين البلدين سيد الموقف في عدة ملفات ابعدتهما ولو شكلياً عن مسار  علاقتهما التقليدية كعضوين في حلف الناتو. ونسرد أبرز  ملفات الخلاف كالتالي: 

4 – 1 الملف الأول: اعتقال القس الأمريكي

ارتفعت وتيرة التوتر بين الدولتين مع اعتقال السلطات التركية “أندرو برونسون”، القس الأمريكي الذي يعيش في تركيا منذ حوالي عشرين عاما، وكان يعمل في  كنيسة قيامة إزمير. ووجهت إليه تهمة التجسس وارتباطه بشبكة غولن وحزب العمال الكردستاني في أكتوبر 2016، فرضت على أثرها وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على وزيرين في الحكومة التركية.

في أغسطس 2018، وبعد عدة جولات من الدبلوماسية غير  الناجحة بين الدولتين من أجل الإفراج عن القس، ترافقت مع أعلن ترامب سياسة اقتصادية جديدة على  واردات الألومنيوم والصلب التركية، التي رفضتها الحكومة التركية باعتبارها منافية للسوق الحرة الدولية.

 ووصلت بوادر انعدام الثقة بين تركيا والولايات المتحدة الامريكية إلى ذروتها بعد اعتقال الشرطة التركية مواطنين أمريكيين و أتراك يعملون في القنصلية الأمريكية، لصلتهم بحركة غولن بحسب تصريح السلطات التركية. وفي أكتوبر 2018 تم الإفراج عن برونسون وإعادته إلى الولايات المتحدة وعلى إثرها تم رفع العقوبات جزئيا عن تركيا بعدما تسببت بتدهور العلاقات بين الدولتين. 

4 – 2 الملف الثاني: المطالبة بتسليم غولن

يعيش فتح الله غولن في الولايات المتحدة منذ عام 1999، ويعتبر غولن وجماعته المتهم الأول في عملية الانقلاب العسكري عام 2016، وبعد فترة من محاولة الانقلاب، صرحت الحكومة التركية أن فتح الله غولن و حركته نظموا محاولة الانقلاب، وطالبت أمريكا بتسليمها أياه ورفضت الاخيرة مراراً طلب تركيا، مما زاد من حدة التوتر بين الدولتين.  

4 – 3 الملف الثالث: أزمة منظومة S400

رفضت الولايات المتحدة الأمريكية مطالبات تركية من أجل عقد صفقة شراء أنظمة صواريخ الدفاع الجوي “باتريوت” الأمريكية، مما دفع تركيا التوجه نحو روسيا بهدف الحصول على أنظمة صواريخ الدفاع الجوي S400. 

عارضت أمريكا شراء تركيا لصواريخ S400 لأن نظام الصواريخ لن يكون قابلاً للتشغيل المتبادل مع أنظمة دفاع الناتو، مما يخلق نقطة ضعف في دفاعات الناتو. وتقول الولايات المتحدة أن لديها مخاوف من إمكانية قيام منظومة S400 من جمع معلومات عن الجيل القادم من الطائرات المقاتلة F-35. ردت تركيا بأن النظام الصاروخي ضروري لحماية مجالها الجوي. 

واتخذت أمريكا قراراً يقضي بإنهاء مشاركة تركيا في تصنيع وشراء طائرة F-35، رداً على إتمامها صفقة S-400، كما هددت بفرض عقوبات اقتصادية عليها. 

4 – 4 الملف الرابع: الدعم الأمريكي لوحدات حماية الشعب الديمقراطي في سوريا (قسد)

تدعم الولايات المتحدة الامريكية وحدات حماية الشعب الكردية في شمال شرق سوريا (YPG)، التي تصنفها تركيا ميليشيا لها علاقات وثيقة مع حزب العمال الكردستاني (PKK)، المصنف إرهابيا من قبل  تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وتُعبر تركيا بشكل مستمر  عن غضبها وتنديدها تجاه دعم أمريكا لمليشيات (YPG) وحدها لقتال تنظيم داعش. وتقول تركيا أن الولايات المتحدة الأمريكية لم  تعر أي اهتمام لمخاوف الأمن القومي لديها بالشراكة مع “وحدات حماية الشعب” في سوريا.

بلغت التوترات بين الولايات المتحدة وتركيا ذروتها بعد العمليات العسكرية التركية التي نفذتها القوات التركية ضد وحدات “قسد” في مناطق شمال غرب سوريا بمدينة عفرين عام 2018، وشمال شرق سوريا بمدينتي جرابلس ورأس العين عام 2019. 

وقد بررت أمريكا موقفها الرافض من العمليات العسكرية التركية على “قسد”، بأن تلك العمليات ستصرف الانتباه عن القتال ضد داعش. في حين تبرر تركيا عملياتها العسكرية بالحفاظ على أمنها القومي بإنشاء ممر بعمق 32 كيلو مترًا وطول 480 كيلو مترًا (20 ميلاً وطول 300 ميل) داخل سوريا على طول الحدود لحماية أمنها. وتقول أنها تخطط لإعادة توطين ما يقارب  3.6 مليون لاجئ سوري داخل المنطقة الآمنة، ومنع تشكيل حزام أمني ارهابي يستهدف الاراضي التركية. 

4 – 5 وجهة النظر الأمريكية في المواجهات التركية الروسية

تصطف كل من تركيا وروسيا على جانبين متعارضين في عدة مناطق تسود فيها  النزاعات العسكرية مثل سوريا، ليبيا وناغورنو كاراباخ في أذربيجان. 

هناك رؤى مختلفة في تفسير الرؤية السياسية الأمريكية حول ملفات المواجهة بين تركيا وروسيا. يرى البعض أن تركيا حليف في الناتو ويمكن تصنيفها كموازن  للتواجد الروسي في منطقة الشرق الأوسط، ويميلون إلى الاعتقاد بأن المعارضة المشتركة لروسيا يمكن أن تكون أساسا لإحياء العلاقات الأمريكية التركية المتعثرة. وفي تأكيد لهذه الرؤية جاءت تصريحات السفير الأمريكي السابق جيمس جيفري، الذي شغل منصب الممثل الخاص لوزير الخارجية مايك بومبيو في سوريا والمبعوث الخاص للتحالف الدولي لقتال داعش، في أعقاب الاشتباكات التركية مع القوات السورية في إدلب بسوريا عام 2020، حيث أشاد جيفري بالدور التركي في إدلب، وتحدث جيفري عن إمكانية تقديم دعم مادي من الولايات المتحدة أو الناتو لمهمة تركيا العسكرية في سوريا، وهذا يمكن تفسيره بأن تركيا  تمثل ثقلاً موازيا لروسيا.

ثمة رأي آخر يعتقد بأن تركيا خارجة عن السيطرة، وتتجه نحو الشراكة مع روسيا في عدد من الملفات. من هذا المنظور أدى العدد المتزايد من مجالات المنافسة الروسية التركية إلى مزيد من التنسيق الثنائي الروسي التركي، وبالتالي إلى علاقات روسية تركية أقوى، مما أبعد تركيا (نوعا ما) عن التوجه الغربي.

5 – علاقات تركيا مع الاتحاد الأوروبي

علاقة تركيا مع دول الاتحاد الأوروبي هي علاقة عضوية، وذات منفعة متبادلة، ويشترك الطرفان  في العديد من المسائل التي تخص أمنهم القومي، وبما أن تركيا عضو في العديد من المؤسسات الأوروبية، فهي تعتبر  علاقتها بالاتحاد الأوروبي  أحد الثوابت في سياستها الخارجية على الرغم من الخلاف الذي طرأ في الآونة الاخيرة بين الطرفين. 

فقد قال رئيس الوزراء الفرنسي إيمانويل ماكرون في مقابلة مع صحيفة كاثيميريني اليونانية في زيارته إلى أثينا في سبتمبر 2017، إن “تركيا قد ابتعدت بالفعل عن الاتحاد الأوروبي في الفترة الأخيرة، لكنني أريد تجنب الانقسام لأنها شريك حيوي في العديد من الأزمات التي نواجهها جميعا، لا سيما تحدي الهجرة والتهديد الإرهابي”. يدل تصريح ماكرون هذا على موقف عدد كبير من دول الاتحاد الأوروبي من تركيا. على الرغم من العلاقات المتوترة، فلا تزال تركيا شريكا مهما في الهجرة والأمن، وكذلك الاقتصاد مع الاتحاد الأوروبي.

بحسب مجريات الأحداث الدولية بين عامي 2015 – 2020 لعبت أربع ملفات دوراً كبيراً في رسم العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وتركيا على الشكل التالي:

  • شرق البحر  المتوسط وأمن الطاقة. 
  • قضية اللاجئين. 
  • العلاقات الاقتصادية.
  • مكافحة الإرهاب. 

5 – 1 ملف شرق البحر المتوسط وأمن الطاقة:

 اتخذ المجلس الأوروبي موقفا ضد اتفاق تركيا وليبيا بخصوص ترسيم الحدود المائية بين الدولتين في ديسمبر 2019، معلناً أنه ينتهك الحقوق السيادية للدول التي تمثل الطرف الثالث (أي قبرص واليونان)  وأن الاتحاد الأوروبي يؤكد بشكل كبير تضامنه مع قبرص واليونان فيما يتعلق بهذه الإجراءات من جانب تركيا.

  في عام 2019، صعدت تركيا من إجراءاتها الامنية بإرسال سفن وزوارق بحرية عسكرية إلى جانب سفن التنقيب والحفر في شرق المتوسط. وقد أثار هذا التصعيد معارضة شديدة من جانب الاتحاد الأوروبي، والتهديد بفرض عقوبات اقتصادية شديدة على تركيا.

ووافق وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في 13 يوليو 2020، بناء على طلب قبرص، إعداد قوائم في إطار العقوبات على تركيا جراء عمليات التنقيب والكشف التي تقوم بها  في شرق البحر المتوسط. وطالب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في تاريخ 23 يوليو 2020 بفرض عقوبات من قبل الاتحاد الأوروبي على تركيا بسبب سياساتها في منطقة شرق البحر المتوسط،  وقال “أنا أقف بشكل كامل وراء قبرص واليونان في مواجهة الانتهاكات التركية لسيادتهما”. كما قامت فرنسا بتوقيع اتفاقية مع قبرص الجنوبية لخدمة السفن الحربية الفرنسية في قاعدة ماري البحرية القبرصية. وأمر الرئيس الفرنسي القوات الفرنسية في شرق البحر المتوسط ​​بتقديم مساعدة عسكرية لليونان، ونشرت فرنسا للمرة الأولى مقاتلات رافال للمساعدة في القيام بدوريات عسكرية في المنطقة الاقتصادية الخالصة القبرصية بموجب اتفاقية تعاون عسكري.

فيما دعا وزير الخارجية الألماني هايكو ماس إلى وقف التوتر المتصاعد بين اليونان وتركيا محذرا من كارثة. وقال لا يزال هناك استعداد للحوار بين الدولتين لأن الجانبين لا يريدان تسوية نزاعهما بالوسائل العسكرية. 

أدى تقارب السياسة الفرنسية والإيطالية (وحتى الألمانية بدرجة أقل) بدعم اليونان وقبرص الرومية إلى وضع سياسة الاتحاد الأوروبي في شرق البحر المتوسط ​​بقوة ضد المصالح التركية وحقوقها في مياهها الاقتصادية الخالصة. 

5 – 2 ملف قضية اللاجئين

شهدت تركيا تدفقاً غير مسبوق للاجئين  من سوريا ومن بلدان أخرى والذي تجاوز عددهم 3.7 مليون حتى تاريخ كتابة هذه الدراسة. وشكلت تركيا جسراً لعبور الكثير من اللاجئين إلى دول الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي دفع الاخيرة إلى رسم  خطة عمل مشتركة مع تركيا في أكتوبر 2015 وتم تفعيلها في قمة الاتحاد الأوروبي وتركيا في 29 نوفمبر 2015. وتهدف خطة العمل إلى تنظيم تدفقات الهجرة، ووقف الهجرة غير النظامية. كما أعاد الاتحاد الأوروبي وتركيا التأكيد على التزامهما المشترك بإنهاء الهجرة غير النظامية من تركيا إلى الاتحاد الأوروبي في بيانهم المشترك الصادر في 18 مارس 2016، الذي يتضمن كسر نموذج أعمال المهربين وتقديم بديل للمهاجرين الذين تتعرض حياتهم للخطر .

كان مستقبل اللاجئين في تركيا لاسيما السوريين موضوع حوار دائم بين الاتحاد الأوروبي وتركيا لأكثر من أربع سنوات. وافق خلالها الاتحاد الأوروبي على دفع مبلغ قيمته 6 مليارات يورو للحكومة التركية لدعم اللاجئين السوريين في تركيا. وتطالب تركيا بشكل دائم بدعم أكبر، لما تحتاجه عملية احتضان اللاجئين من متطلبات الاندماج والدعم المادي، والتعليمي. وهناك العديد من المواقف التي أعربت عنها بعض الأحزاب السياسية الأوروبية بأن على تركيا ألا تتحمل العبء بمفردها، ويجب توسيع التدابير المالية المدرجة في صندوق دعم اللاجئين. 

5 – 3 العلاقات الاقتصادية

ترتبط تركيا والاتحاد الأوروبي بجملة من المصالح الاقتصادية ذات المنفعة المتبادلة. ويوجد بين الطرفين اتحاد جمركي يسمح بنقل البضائع بشكل حر.

وتصنف تركيا كخامس أكبر شريك تجاري للاتحاد الأوروبي، وسوق تصدير ومزود للواردات. كما يعتبر الاتحاد الأوروبي الشريك الأول لتركيا في مجال الاستيراد والتصدير، فضلاً عن كونه مصدرا للاستثمارات. وتعتبر السوق الاوروبية سوقاً رئيسية للتصدير بالنسبة لتركيا وتشكل(42.4٪) من إجمالي الصادرات، وتستورد تركيا من الأسواق الاوروبية بنسبة  (32.3٪) من إجمالي الواردات.

الجدول رقم(2) حجم التبادل التجاري بين تركيا ودول الاتحاد الأوروبي ( بالمليار دولار)

العام واردات تركيا من الاتحاد الأوروبيصادرات تركيا إلى الاتحاد الأوروبي
2016 72.455.7
201776.761.4
201869.268.8
201968.369.8

تراجعت واردات تركيا من  الاتحاد الأوروبي، في عام 2019 انخفضت بنسبة 1.3٪، وفي العام ذاته ارتفعت نسبة الواردات الاوروبية من تركيا وبلغت 4.4٪. وذلك مقارنة بعام 2018 ، ويرجع ذلك إلى اعتماد وتطور الصناعات التركية، وإنتاجها للعديد من السلع التي كانت تستوردها تركيا مسبقاً  . ويوضح الجدول رقم (1) حجم التبادل التجاري بين الطرفين، كما يُظهر الجدول نمو صادرات تركيا، وانخفاض وارداتها من الاتحاد الأوروبي. 

5 – 4 مكافحة الإرهاب 

تتجه أولويات حكومات الاتحاد الأوروبي إلى مكافحة الإرهاب، وهو مجال تغطيه بالفعل برامج التعاون بين الحكومات الأوروبية وتركيا على الرغم من اختلاف أولويات الجانبين، ويظل التعاون في مجال مكافحة الإرهاب بين الطرفين على رأس جدول أعمال الحكومات الأعضاء المعنية في تركيا والاتحاد الأوروبي. 

القضية الأمنية الأهم التي شغلت الطرفين في السنوات الخمس الأخيرة، هي قضية مئات من الجهاديين المنتمين لداعش وعائلاتهم والمحتجزين لدى وحدات حماية الشعب الكردية، وبعض منهم تم القبض عليهم  على الحدود السورية التركية وهم في السجون التركية، ويحملون جوازات سفر أوروبية، فيما تحاول العناصر التي مازالت في سوريا على الأرجح العودة إلى دولهم في الاتحاد الأوروبي عبر تركيا.وقد فرض التهديد الأمني القادم من عناصر داعش على  كل من تركيا والاتحاد الأوروبي التعاون أمنياً بما يخدم مصلحة الطرفين، ويمنع وقوع أي عمليات إرهابية. 

6 – العلاقات التركية السعودية

شهدت العلاقات التركية السعودية في الفترة الممتدة بين عامي 2015 – 2020، عدة تطورات فيما يتعلق بأكثر من ملف، وكان ملف حصار قطر، واغتيال الصحفي السعودي في القنصلية السعودية في اسطنبول” جمال خاشقجي” من أبرز الملفات التي أثرت على العلاقات بين الدولتين في الفترة الأخيرة. وفي فترة ما قبل حصار قطر. وبتاريخ 13 مارس 2015 أعرب الرئيس التركي عن استعداد تركيا لدعم تحالف عاصفة الحزم لوجستيا واستخبارياً، وفي كل ما تحتاجه الدول المشاركة. وأعلن أردوغان أن بلاده يمكن أن تقدم مساعدة لوجستية للسعودية في العملية العسكرية في اليمن ضد الحوثيين . 

في تاريخ 14 ابريل 2016 وقّع وزير الخارجية التركي ونظيره السعودي على اتفاقية  تأسيس “مجلس تنسيق استراتيجي”، الهدف منها تعزيز 8 قطاعات بما في ذلك الزراعة والجيش والثقافة ومكافحة الإرهاب اضافة الى العلاقات الدبلوماسية .

وبعد ستة أشهر من محاولة الانقلاب الفاشل في تركيا عام 2016، قام الرئيس أردوغان بجولة في الخليج ابتدأها بالمملكة العربية السعودية والبحرين.

ثم حدث تباعد واضح بين السعودية وتركيا في يونيو 2017 على خلفية أزمة حصار قطر والانحياز التركي لها، علاوة على بناء تركيا قاعدة عسكرية في قطر، وهو ما أثار حفيظة السعودية، وانعكس بشكل سلبي على العلاقات الاقتصادية بين الدولتين. 

في عام 2020، ظهرت مقاطعة سعودية غير رسمية للبضائع التركية حيث رفضت العديد من الشركات السعودية التعامل مع تركيا، خاصة بعد أن شجعت غرفة التجارة السعودية المرتبطة بالحكومة على المقاطعة. 

وفي العام ذاته أجرى الملك سلمان في 20 نوفمبر 2020، اتصالا هاتفيا مع الرئيس رجب طيب أردوغان لدعوته لحضور قمة العشرين الاقتصادية التي أقيمت في السعودية، وناقش الطرفان  كيفية تحسين العلاقات المتوترة بين البلدين.

7 – العلاقات التركية الإماراتية 

صُنفت الإمارات العربية المتحدة سابقاً من بين أكبر الشركاء التجاريين العرب لتركيا، وكانت مصدرا رئيسيا للاستثمار الأجنبي المباشر، وبحسب الاحصائيات، فقد انخفضت تجارة تركيا مع الإمارات بشكل حاد بعد عام 2017 بنسبة 66٪ في الصادرات، وبنسبة 32٪ في الواردات عام 2017. 

وتؤشر ثورات الربيع العربي  لبوادر الخلاف بين الدولتين، حيث وقفت تركيا إلى جانب ما سميت بـ “الثورات العربية”، فيما اتخذت الإمارات موقفاً معارضاً لتلك الثورات، ودعمت الثورات المضادة. 

واشتدت الخلافات بين الطرفين مع احتضان تركيا لشخصيات تابعة لجماعة الإخوان المسلمين، التي حاربتها الإمارات سياسياً واعلاميا في عدة دول. واتسع  الصدع بين البلدين في الملف الليبي، حيث وقفت تركيا إلى جانب حكومة الوفاق المعترف بها دولياً ودعمتها عسكرياً وسياسياً، بينما دعمت الإمارات قوات خليفة حفتر عسكرياً ومالياً ، وشهد الملف الليبي أوسع حالة خلاف بينهما. إلى جانب ملف حصار قطر ووقوف تركيا الصريح إلى جانبها.

كما وقفت الإمارات ضد المصالح التركية في شرق البحر المتوسط، ونظمت مناورات عسكرية مع اليونان في البحر المتوسط. وتشير وسائل الإعلام التركية دائما الى أن للإمارات دورٌ في الانقلاب الفاشل عام 2016، إضافة الى الدعم الإماراتي لوحدات حماية الشعب الكردية في سوريا بمليارات الدولارات.

8 – العلاقات التركية الإيرانية

تمكنت تركيا وإيران على مدى السنوات الماضية من فصل علاقاتهما الاقتصادية عن منافستهما الإقليمية التي شكل العداء الصفة الأبرز فيها، الامر  الذي  ساهم بضبط السياسات المتبادلة بين الطرفين جزئيا لحماية مصالحهما الاقتصادية المشتركة. 

إذ تنظر  تركيا إلى إيران كمصدر استراتيجي لإمدادات النفط الخام والغاز الطبيعي الهام لتحقيق أمن الطاقة وسياسة التنويع. كما أن عدد سكان إيران الكبير يجعلها سوقا مهمة لصادرات تركيا.

يشترك الأتراك مع الإيرانيين بمعارضتهما استقلال كردستان شمال العراق، وإنشاء دولة كردية.  وعلى الرغم من انتقادات إيران للتدخلات التركية في العراق إلا أنها لا تبدي أي اعتراض عندما تشن تركيا عملية عسكرية ضد مواقع حزب العمال الكردستاني في شمال العراق .

بدأت العلاقة بين البلدين بالتوتر مع بداية الثورة في سوريا عام 2015، حيث ساندت  إيران نظام الأسد عسكريا وسياسياً، فيما وقفت تركيا إلى جانب المعارضة السورية،  وسعى كل طرف  إلى تقويض وإدانة سياسة الطرف الآخر على في سوريا. 

ثم حدث تقارب بين البلدين إثر معارضة إيران محاولة الانقلاب العسكري الفاشل في تركيا عام 2016، كما انتقدت تركيا الاحتجاجات في إيران عام 2018، و عارضت في العام نفسه العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران.

وإثر ذلك زاد التعاون بين الطرفين على الرغم من الخلافات بينهما في الملف السوري، ففي عام 2017،  إجتمع الأتراك مع الإيرانيين بمعية الروس في الاجتماع الثلاثي في سوتشي، ومن ثم في استانة لرعاية مفاوضات بين المعارضة السورية والنظام.

9 – العلاقات التركية المصرية 

توترت العلاقات التركية المصرية بعد  أحداث الانقلاب العسكري عام 2013,  والذي نفذه الرئيس الحالي عبدالفتاح السيسي. حينها عارضت تركيا بشدة الانقلاب على الحكومة المنتخبة، وعلى الرغم من حدة التوتر بين البلدين،  فقد حافظا على العلاقات الدبلوماسية بمستوى القائم بالأعمال . 

تشترك تركيا ومصر بروابط اقتصادية، وتصنف مصر الشريك التجاري الرئيسي لتركيا في القارة الأفريقية، وطوال فترة الازمة السياسية بين الطرفين لم تنخفض قيمة التبادل التجاري بين البلدين على العكس تماماً، فقد سجلت ارتفاعاً من عام 2015 إلى عام 2019 كما موضح في الجدول رقم (3) الصادرات والواردات التركية إلى مصر بين عامي 2015 – 2019. 

الجدول رقم (3) جدول الصادرات والواردات التركية إلى مصر بين عامي 2015 – 2019

العام الصادرات التركية إلى مصرالواردات التركية من مصر 
20152.2 مليار دولار 863 مليون دولار
20162 مليار دولار 706 مليون دولار
20171.8 مليار دولار 909 مليون دولار 
20181.9 مليار دولار 1.1 مليار دولار 
20192.6 مليار دولار 1  مليار دولار 

ازداد التوتر بين البلدين بعد توقيع تركيا معاهدة ترسيم الحدود المائية مع ليبيا عام 2019، التي رفضتها الحكومة المصرية، وردت مع اليونان بتوقيع معاهدة  ترسيم حدودهما المائية بشكل مناقض تماماً للترسيم الذي حددته تركيا مع حكومة الوفاق الليبية. 

وارتفعت حدة التوتر بعد تدخل تركيا عسكرياً إلى جانب حكومة الوفاق، التي حققت تقدما كبيراً على حساب خليفة حفتر بعد دعم وإسناد تركي بالسلاح. حينها كانت مصر تدعم الجنرال المتمرد خليفة حفتر. 

بدأت ملامح جديدة  للعلاقة بين البلدين مع بداية 2021  بعدما أصدرت تركيا في منتصف مارس 2021 تعليمات لقنوات تلفزيونية تديرها المعارضة المصرية في اسطنبول للتخفيف من حدة انتقادها لنظام السيسي. وفي أوائل مايو 2021 قام وفد تركي بزيارة إلى القاهرة، والذي يشير إلى بداية جديدة في العلاقات بين تركيا ومصر.

يمكن تفسير ملامح عودة العلاقات التركية المصرية نتيجة للتحولات الدولية، ولاسيما الحاصلة في منطقة الشرق الأوسط، وقد ينتج عن تلك التحولات  الانسحاب الأمريكي من المنطقة، الذي من الممكن أن يخلف ورائه فراغاً أمنياً قد يتخلله انتشار للميليشيات العابرة للحدود والتي تهدد أمن الدول. 

10 – العلاقات التركية الليبية

بدأت العلاقات التركية الليبية مع أول زيارة لرئيس وزراء تركيا لليبيا “بولند أجاويد” عام 1979 في عهد “معمر القذافي”، ووقعا حينها البلدان عددا من الاتفاقيات الاقتصادية بمجالات متعددة. وفي عام 1987 زار رئيس الوزراء التركي كنعان ايفرت ليبيا أسفرت عن توقيع اتفاقيات أخرى لتعزيز التبادل التجاري. واستمرت العلاقات بين البلدين في التطور حتى وصلت لأعلى مستوياتها في أواخر التسعينيات وبداية الالفية الثالثة. ووصل التبادل التجاري بين البلدين عام 2010 إلى 9.8 مليار دولار. وأعلنت ليبيا حينها أنها ستمنح تركيا استثمارات بقيمة 100 مليار دولار . 

مع قيام الثورة ضد القذافي، أعلنت تركيا عن موقفها الرسمي الداعم للثورة ومطالب التغيير السياسي. وبعد سقوط نظام القذافي، وانتشار الفوضى الداخلية بين عامي 2012 – 2015، والمليشيات، وقفت تركيا إلى جانب حكومة الوفاق الشرعية والمعترف بها من الأمم المتحدة ومقرها طرابلس ضد اللواء الانقلابي خليفة حفتر .

واستناداً لاستراتيجية الوطن الازرق (باللغة التركية: Mavi Vatan) التي تبنتها السياسة الخارجية التركية كما شرحنا في القسم الأول من الدراسة، والتي تقوم على حماية الحقوق التركية في المياه الإقليمية. وقعت تركيا مع حكومة الوفاق عام 2019 معاهدة ترسيم الحدود المائية (المنطقة الاقتصادية الخالصة ) في شرق المتوسط. التي حفظت فيها كل من تركيا وليبيا حدودها المائية. (للاطلاع أكثر يمكن الإطلاع على دراستنا كيف تغيرت تركيا خلال خمس سنوات، القواعد والتدخلات العسكرية الخارجية) وتدخلت  عسكريا في ليبيا عام 2019 بعد شن قوات حفتر المدعومة من عدة جهات دولية عمليات عسكرية ضد حكومة الوفاق، بهدف السيطرة على طرابلس العاصمة وإسقاط الحكومة. لكن مساهمة القوات البحرية والبرية التركية مدعومة بالطائرات بدون طيار مكنت حكومة الوفاق  من صد هجمات قوات حفتر واعادة السيطرة على العديد من المدن والمناطق الواقعة على خط الساحل الغربي، بالاضافة لاعادة السيطرة على عدد من القواعد العسكرية الاستراتيجية في ليبيا.

وحافظت تركيا على مصالحها السياسية والاقتصادية بعد تشكيل حكومة وحدة وطنية في ليبيا في عام 2021. كما وقعت العديد من الاتفاقيات التجارية في عدة مجالات. 

11  – مقارنة لمسار العلاقات التركية الخارجية قبل عام 2015، وفي عام 2019

مسار العلاقات الخارجية التركية قبل عام 2015 مسار العلاقات التركية الخارجية بعد عام 2015 
العلاقات التركية الروسية علاقات متوترةتقارب وتهدئة، وتنسق بين الدولتين في عدة ملفات مع ارتفاع مؤشر التبادل التجاري بين البلدين
العلاقات التركية الأمريكية تنسيق عالي بين الدولتين في كافة الملفات خلافات حول الموقف من قسد، ملف شرق البحر المتوسط، وأزمة صواريخ S400 الروسية 
العلاقات التركية مع الاتحاد الأوروبي تنسيق شبه كامل على كافة الأصعدة ( السياسية، والاقتصادية، والأمنية…. الخ)خلافات حول قضية اللاجئين، ملف شرق البحر المتوسط والملف الليبي  
العلاقات التركية مع السعودية توافق حول الملف السوري والموقف من الحوثي في اليمنتوتر شديد في العلاقات بدأ مع أزمة حصار قطر. 
العلاقات التركية الإماراتية توتر منذ الانقلاب العسكري في مصرتزايد الخلافات حول عدة ملفات مثل حصار قطر، ليبيا ودعم الإمارات اليونان في شرق المتوسط
العلاقات التركية الإيرانيةخلاف حول الملف السوري تقارب وتنسيق أكثر في الملف السوري 
العلاقات التركية المصرية توتر حاد بين البلدين، نتيجة لعدة خلافات بدأت بالإنقلاب على محمد مرسي بدأ البلان بتبادل الوفود والمفاوضات لحل الخلافات  
العلاقات التركية الليبية الحفاظ على العلاقات الدبلوماسية التدخل ودعم حكومة الوفاق سياسياً وعسكرياً

12 – الخلاصة

تغيرت السياسية التركية الخارجية بشكل ملحوظ خلال الخمس سنوات الأخيرة مع تبني عقيدة الوطن الأزرق إضافة لاستراتيجية الصفر مشاكل واستراتيجية سلام في الوطن وسلام في العالم. على المستوى الدولي، حصل خلاف حول بعض الملفات بين تركيا والولايات المتحدة الأمريكية لاسيما فيما يخص ملف شراء تركيا صواريخ S400 وتقاربها مع روسيا، وكانت الخلافات شديدة إلى حد ما ،إلا أن تركيا حافظت على علاقات استراتيجية مع أمريكا. 

فيما يتعلق بالعلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي، شهدت العلاقات بين الطرفين خلال السنوات الخمس الأخيرة تذبذبا وخلافات عدة، خاصة فيما يتعلق بملفات ترسيم الحدود المائية شرق البحر المتوسط، والملف الليبي، وملف التعامل مع قضية اللاجئين، إلا أن العلاقات الاقتصادية لم تتأثر بين الجانبين، حيث تلعب التجارة ونقل التكنولوجيا أدوارا مهمة في كلا الاتجاهين، اضافة الى التفاوض حول ملف الهجرة. 

تبقى علاقة تركيا كحليف استراتيجي مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية من الثوابت في سياستها الخارجية، وتحت مظلة حلف الناتو، على الرغم من التباينات الشديدة حول عدد من الملفات في منطقة الشرق الأوسط.

بالرغم من العداء التاريخي بين تركيا وروسيا، إلا أنهما تقاربا في بعض القضايا الاقليمية، وحققا تبادلا تجاريا مرتفعا. وتم التنسيق بين الدولتين في العديد من القضايا على الرغم من خلافاتهما حول الأهداف والمصالح في القضايا ذاتها  مثل الملف السوري، أذربيجان، أمن البحر الأسود وليبيا. لكن الخلافات القائمة بين الدولتين والعداء التاريخي والتنافس حول السيطرة على البحر الأسود يجعل من العلاقة بين الدولتين عاملا متغيرا (بالنسبة للسياسة الخارجية)، ولا يمكن أن تصل إلى مرحلة العلاقات الاستراتيجية. 

على المستوى الإقليمي، توترت العلاقات التركية مع السعودية والإمارات بعد وقوف تركيا الى جانب قطر في الحصار الذي فرض عليها ، وبدرجة أكبر مع الإمارات بسبب الخلاف حول عدة ملفات أخرى، انخفضت على أثره العلاقات الاقتصادية المتبادلة بين البلدين.

في العلاقات التركية الإيرانية، انتقلت تركيا للتنسيق مع إيران بعد مرحلة من التنافس على النفوذ في سوريا، تبعها عدة تطورات في الداخل السوري.

13 – ملحق الدراسة

نوجز بهذا الملحق العلاقات التركية الخارجية مع بعض الدول كالتالي.

13 – 1 العلاقات التركية الصينية 

تستند علاقة تركيا بالصين إلى استراتيجية “صفر مشاكل” التي  قام بصياغتها وزير الخارجية الأسبق أحمد داود أوغلو التي ركز بأحد مبادئها  على اتباع سياسة خارجية متعددة الأبعاد (بمعنى عدم الاعتماد على طرف دولي واحد،  والمقصود هنا المعسكر الغربي، أنما الانفتاح على الشرق ايضاً، بما يحقق التوازن، ويضمن المصالح التركية). وهذا يتحقق من خلال تعزيز العلاقة مع الصين باعتبارها  أهم دول الشرق اقتصاديا وعسكريا فضلا عن عضويتها الدائمة في مجلس الأمن الدولي. لذا سعت تركيا لتعزيز العلاقات المشتركة معها، لاسيما أنه لايوجد خلاف استراتيجي او حول مصالح ذا أهمية سياسية كبيرة بين البلدين، إذا ما استثنينا التوتر الذي حصل بين البلدين فيما يتعلق  بقضية الإيغور، حيث توترت العلاقات بينهما بسبب انتهاكات الحكومة الصينية لحقوق الإنسان ضد عرقية الإيغور الاتراك المسلمين المقيمين شرق الصين. وقدمت منظمة هيومن رايتس ووتش المعنية في حقوق الإنسان في 2018 تقريراً حمل العديد من التفاصيل حول حملة الحكومة الصينية من “الاعتقال التعسفي الجماعي والتعذيب والتلقين السياسي القسري والمراقبة الجماعية لمسلمي شينجيانغ في شرق الصين”. وقد وقفت تركيا ضد هذه الأعمال و استقبلت على اراضيها عدداً كبيراً من الايغور. 

شهدت العلاقات الثنائية تطوراً مهما عام 2010 بعد عدة زيارات رسمية، وتم تصنيف علاقة البلدين إلى مستوى “التعاون الاستراتيجيى. وتحسنت العلاقات الثنائية الاقتصادية والسياسية بشكل أكبر  بعد طرح الصين مبادرة الحزام والطريق ( طريق الحرير)  التي أعلنها شي جين بينغ، ووقع على المبادرة عام 2015. وتركيا بموقعها الجيواستراتيجي ستكون من أهم الدول على طريق الحزام، ويمكن الاطلاع أكثر بشأن مشروع طريق الحزام ودور تركيا فيها من خلال دراستنا مبادرة الصين للحزام والطريق الواحد  على الرابط التالي https://ayam.com.tr/ar/دراسات/مبادرة-الصين-للحزام-والطريق-الواحد-2/ 

في الشأن الاقتصادي بلغ حجم التجارة بين الصين وتركيا حوالي 24 مليار دولار  في عام 2020. وبزيادة الصادرات التركية خلال الخمس السنوات الاخيرة  إلى الصين انخفض عجز التجارة الخارجية بمقدار 7%  الذي كان لصالح الصين. وقامت كبرى شركات تصنيع الهواتف الذكية الصينية مثل Xiaomi و Oppo و Vivo باستثمارات مباشرة في تركيا.

وتدرك تركيا أهمية الصين السياسية والاقتصادية، لذلك عملت الدولة على تعزيز العلاقات معها على كافة المستويات، حيث قام الرئيس أردوغان بأربع زيارات رسمية للصين في الأعوام 2012 و2015 و 2017 و 2019. 

13 – 2 العلاقات التركية الماليزية 

وطدت العلاقات التركية الماليزية تحت قيادة رئيس الوزراء التركي السابق نجم الدين أربكان، حيث زار ماليزيا عام 1996 وعقد عدة اتفاقيات في نطاق صناعة الدفاع والعلاقات الاقتصادية والثقافية. 

ولأهمية ماليزيا كدولة حققت تنمية اقتصادية وبوابة لتركيا إلى جنوب شرق آسيا قام الرئيس أردوغان (الذي كان رئيسا للوزراء حينها) بزيارتها  في عام 2003، وهو نفس العام الذي تولى فيه الرئيس أردوغان للسلطة، وبلغت في تلك الفترة العلاقات بين ماليزيا وتركيا ذروتها في جميع المجالات. وبنفس العام ارتفعت قيمة المبادلات الاقتصادية بين البلدين من 396 مليون دولار إلى 1 مليار دولار. 

بين عامي 2011 – 2014 تبادل البلدان الزيارات الرسمية على مستوى رئيس الوزراء، ممثلة بالرئيس رجب طيب أردوغان والماليزي آنذاك نجيب رزق، ونتج عن هذه الزيارات بداية عهد جديد في العلاقات الاقتصادية بين البلدين، وتوقيع اتفاقية التجارة الحرة بين البلدين، التي ساعدت بتعزيز بالاستثمار والتبادل التجاري المتبادل، حيث ارتفع حجم التجارة بين البلدين عام 2014 إلى 2 مليار دولار، وفي عام 2017 بلغ 3.4 مليار دولار. ويهدف البلدان إلى زيادة حجم التبادل التجاري بينهما إلى ما لا يقل عن 5 مليارات دولار.

بعد محاولة الانقلاب في 15 يوليو دعمت ماليزيا تركيا، وأعلن رئيس الوزراء الماليزي نجيب رزاق أنه يقف إلى جانب الحكومة التركية ضد محاولة منظمة غولن المحظورة لتدمير الديمقراطية، واعتقلت ثلاثة أعضاء رفيعي المستوى من FETO في ماليزيا في عام 2017 وسلمتهم إلى تركيا، مما عزز مؤشرات الصداقة بين البلدين. 

وقام رئيس الوزراء السابق مهاتير محمد بزيارة رسمية لتركيا في 27 يوليو 2019. وقام الرئيس أردوغان  بزيارة رسمية إلى ماليزيا في 19 ديسمبر 2019 في إطار قمة كوالالمبور ووقع خلال الزيارة 14 وثيقة مذكرة تفاهم تنص على التعاون الثنائي بين الشركات العاملة في مجال الصناعة الدفاعية.

13 – 3 العلاقات التركية اليابانية 

يعتبر العامل التاريخي من أهم العوامل المؤثرة في رسم السياسة الخارجية التركية كما وضحنا في القسم الأول من الدراسة.  وقد أسست العلاقات الدبلوماسية بين تركيا واليابان في عام 1924. ويصنف العامل التاريخي ذو  أهمية كبيرة في العلاقات التركية اليابانية لحدثين تاريخيين رئيسيين بين البلدين: 

الحدث الأول: غرق سفينة أرطغرل التركية قرابة السواحل اليابانية عام 1890، عندما كانت السفينة تنقل هدايا ورسالة صداقة من السلطان عبد الحميد الثاني إلى الإمبراطور الياباني آنذاك ميجي. حاول القرويين اليابانيين في أوشيما إنقاذ البحارة الاتراك، لكنهم لم يستطيعوا، وتوفي في الحادثة 532 بحار. وبعد الحادثة ارسل الشعب الياباني والحكومة المساعدات لعائلات البحارة، وشكلت حملات الاهتمام أساسا للعلاقات التركية اليابانية. وتقام سنوياً في اليابان  مراسم لإحياء ذكرى شهداء سفينة أرطغرل، والتقى رئيس الوزراء السابق آبي شينزو بأحفاد طاقم أرطغرل خلال زيارته لتركيا في مايو 2013، وصرح أن مذكرات السفينة نُشرت ككتاب مصور في اليابان وهو معروف جيدًا لدى المجتمع الياباني.

الحدث الثاني: إنقاذ تركيا من خلال الخطوط الجوية التركية لعدد من اليابانيين الذين حوصروا في إيران خلال الحرب العراقية الإيرانية عام 1985، و إجلائهم إلى اليابان.  

في عام 2013 خلال زيارة آبي شينزو رئيس الوزراء الياباني السابق إلى تركيا ذكر بأن العلاقات الثنائية قد ارتفعت إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية. وقد شاركت الشركات اليابانية في عدة مشاريع ضخمة في تركيا وأهمها مشاريع الجسر الثالث في إسطنبول  والمترو. ونفذت مشروع المدينة الطبية باشاك شهير جام وساكورا. 

13 – 4 العلاقات التركية الأفغانية 

تصنف علاقة تركيا مع أفغانستان من أقدم العلاقات الخارجية التي أسستها تركيا، فقد بدأت مع تأسيس الجمهورية التركية وفتح مكتب تمثيلي لتركيا في كابول، حينها تم إبرام اتفاقية التحالف التركي الأفغاني بتاريخ 1921. وتعد السفارة التركية في أفغانستان أول بعثة دبلوماسية تم افتتاحها في كابول. وأفغانستان هي ثاني دولة تعترف بالجمهورية التركية.

تاريخياً لعبت تركيا بين 1920-1960 دورًا في تطوير مؤسسات الدولة الافغانية في المجال العسكري والثقافي والتعليم والصحة، من خلال إرسال عدد كبير من الخبراء في المجالات المختلفة.

في فترة الاحتلال الأمريكي لأفغانستان ودخول قوات الناتو، دخلت تركيا كمساهمة غير قتالية من خلال دعم جهود الأمم المتحدة وحلف شمال الأطلسي، لحماية مطار كرزاي الدولي في العاصمة كابول، بالاضافة إلى تدريب عدد من ضباط الجيش. 

وقدمت تركيا عام 2004 إلى الدولة الأفغانية مساعدات  تبلغ قيمتها حوالي 1.1 مليار دولار، وذلك ضمن اطار مؤتمر عقد في بروكسل لجمع مساعدات، وتعد هذه المساعدة من بين أكبر برامج المساعدات الخارجية التي قدمتها تركيا لبلد أجنبي على الإطلاق. 

وقام الرئيس التركي اردوغان في 18 أكتوبر 2014، بزيارة إلى أفغانستان، وكان أول رئيس يزور أفغانستان  منذ 46 عامًا، واثناء الزيارة تم التوقيع على اتفاقية شراكة استراتيجية وصداقة بين البلدين. وقام الرئيس الأفغاني أشرف غني بزيارة رسمية لتركيا في  عام 2015، بدعوة من الرئيس أردوغان.

و زار الوزير جاويش أوغلو كابول في 16 يونيو 2016 وعقد اجتماعات مع الرئيس غني، وقام رئيس الوزراء في ذلك الوقت بن علي يلدريم بزيارة إلى أفغانستان في 8 أبريل 2018، والتقى بالرئيس أشرف غني ورئيس اللجنة التنفيذية آنذاك عبد الله عبد الله.

وبعد الانسحاب الاخير للقوات الامريكية والناتو بتاريخ 31 أغسطس من العام الحالي خرجت القوات التركية التي كانت متمركزة في مطار كرزاي. ونتج عن انسحاب القوى الدولية إلى انهيار الحكومة في العاصمة كابول، وسيطرت حركة طالبان على البلاد، ولم تتبلور بعد كيف ستكون العلاقة بين البلدين بعد تسلم طالبان للحكم في افغانستان، وخاصة أنها لا تتمتع باعتراف دولي لتاريخ كتابة هذه الدراسة. 

13 – 5 العلاقات التركية بدول المغرب العربي 

تمتلك تركيا علاقات تاريخية مع دول المغرب العربي ( المملكة المغربية، والجزائر، وموريتانيا ) تمتد إلى فترة الدولة العثمانية. ورغم أن الدولة العثمانية لم تسيطر على على أراضي في المملكة المغربية، إلا أنها أسست معها علاقات دبلوماسية واشترك البلدان في حروب ضد الأسبان  والبرتغال.

فيما يخص المملكة المغربية، في سبيل تعزيز تركيا لعلاقاتها السياسية والاقتصادية معها، دعمت تركيا وحدة الأراضي المغربية، ورفضت انفصال الصحراء المغربية، وهذا الموقف يتوافق مع نظرة الدولة المغربية للوضع القانوني للصحراء المغربية.  وابتعدت تركيا في اتخاذ أي مواقف من شأنه أن يعكر العلاقات بين البلدين لحساسية القضية بالنسبة  للدولة المغربية. 

وارتفعت قيمة المبادلات التجارية بين البلدين بعد توقيع اتفاقية التجارة الحرة عام 2006، وبلغت 2.8 مليار دولار عام 2018. وفي عام 2013، قام رئيس الوزراء التركي انذاك أحمد داود أوغلو بزيارة إلى المغرب، وقام بالتوقيع حول إنشاء مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى (YDSK).

وتتزايد عدد الشركات التركية في المغرب في السنوات الأخيرة، حاليا يبلغ عدد الشركات التركية العاملة في المغرب حوالي 160 شركة. تعمل بشكل رئيسي في قطاعات مثل المقاولات والبناء وتجارة الجملة والتجزئة والمنسوجات والأثاث والحديد والصلب والسجاد والمواد الغذائية والملابس الجاهزة. وتبلغ القيمة الإجمالية للمشاريع التي قامت بها تركيا  4.1 مليار دولار، ويعمل في هذه الاستثمارات ما يقرب من 8000 مغربي.

قبل انهيار الاتحاد السوفياتي كان ارتباط الجزائر بالمنظومة الاشتراكية يمنع تطور العلاقات التركية الجزائرية على اعتبار أن تركيا ضمن حلف الناتو والمنظومة الغربية. ومع انهيار الكتلة الاشتراكية زالت العوامل التي تمنع تطور العلاقات السياسية بين تركيا والجزائر إلى حد كبير. وكانت هناك زيادة في الزيارات المتبادلة على مستوى الوفود السياسية والفنية رفيعة المستوى، وتم توقيع “اتفاقية الصداقة والتعاون” في عام 2006، وتعتبر تركيا من جانب الجزائر “شريكا استراتيجيا” إلى جانب إسبانيا وإيطاليا والبرتغال. وفي عام 2018 قام الرئيس أردوغان في زيارة للجزائر وضمن نطاق الزيارة تم توقيع سبع اتفاقيات اثنتان منها ذات طبيعة تجارية. 

وتصنف الجزائر كأحد المصادر المهمة لاستيراد تركيا الغاز الطبيعي، وتعزيز سياسة تنويع الموارد وتصنف كرابع مورد للغاز الطبيعي لتركيا، يمكن الاطلاع على معلومات أكثر في دراستنا كيف تغيرت تركيا خلال خمس سنوات ( الطاقة)  بالإضافة لامتلاك الجزائر أكبر مساحة جغرافية في إفريقيا ويبلغ عدد سكانها أكثر من 40 مليون نسمة، وهي رابع أكبر اقتصاد في القارة الإفريقية، مما يجعلها دولة مهمة لتركيا بمجال الإستثمارات.

حسن الشاغل

حسن الشاغل

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: