تحليلات

مقتل سليماني … الأسئلة المطروحة

مدخل

في حوالي الواحدة فجراً من يوم الجمعة الموافق لـ  03 يناير 2020 قامت طائرتان مسيرتان بقصف موكب سيارات صغير كان قد خرج للتو من صالة التشريفات في مطار بغداد، يضم شخصيات هامة إيرانية قادمة من دمشق وأخرى عراقية كانت في استقبال الوفد الإيراني.

الغارة تسببت بمقتل قاسم سليماني القيادي البارز في الحرس الثوري الإيراني وعدداً من رفاقه ومرافقيه، من بينهم جمال جعفر محمد علي آل إبراهيم الملقب بأبي مهدي المهندس (نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي وأحد أكثر الشخصيات نفوذاً في العراق)، وسامر عبد الله (صهر عماد مغنية -أحد أبرز قيادات حزب الله الذين تم اغتياله في 2008-) وزوج بنت قاسم سليماني(لم يذكر اسمه)، ومحمد رضا الجابري (مدير تشريفات في هيئة الحشد الشعبي)، وحسن عبد الهادي (هيئة الحشد الشعبي) ومحمد الشيباني (هيئة الحشد الشعبي) وحيدر علي (هيئة الحشد الشعبي).

بالاضافة إلى أربع ضباط إيرانيين كانوا برفقة سليماني، أُعلن عن مقتلهم لاحقاً وهم: النقيب “وحيد زمانيان”، الرائد “هادي طارمي”، العقيد “شهرود مظفري نيا”، واللواء “حسين جعفري نيا”.

عملية اغتيال سليماني والمهندس ومن معهم -والتي باتت تعرف بعملية البرق الأزرق- أدت إلى انتشار مخاوف من اندلاع حرب واسعة ينجم عنها خسائر كبيرة، وزعزعة الاستقرار في منطقة غير مستقرة أساساً.

كانت العملية فرصة مناسبة لاختبار النظريات المختلفة حول إمكانات إيران العسكرية وقدرتها على الرد في حال تعرضها لهجوم من هذا النوع، حيث بدى لاحقاً أن قدرة إيران الفعلية على خوض حرب حقيقية دفاعاً عن مصالحها ضد الولايات المتحدة وحلفائها ليست كبيرة كما كان متوقعا ، وأن ردودها العسكرية لا تتناسب أبداً مع ردودها الإعلامية التي لطالما اتسمت بالحدة دون أن يقابلها فعل مواز على الأرض.

فبعد سيل كبير من التصريحات من قبل المسؤولين الإيرانيين السياسيين والعسكريين والتي حملت في طياتها رسائل تهديد وانتقام اقتصرت ردة الفعل الإيرانية على إطلاق عدد محدود من الصواريخ تم إطلاقها على قواعد أمريكية في العراق دون أن تحدث أي خسائر تذكر.(قال الأمريكيون لاحقاً أن بعض الجنود يتعالجون من ارتجاجات ناجمة عن الصواريخ، ثم خففوا حدة الإصابات إلى مجرد “صداع” بحسب تصريحات للرئيس الأمريكي ترامب!)

كما تبين أنه لا الاميركيون -بالرغم من كل الاحتياطات المتخذة في حال قررت إيران الرد-، ولا الإيرانيين ولا أي دولة في الإقليم أو العالم تريد لهذه الحرب أن تندلع، بل وبدى واضحاً أن هناك خشية كبيرة من تطور الأمور إلى مواجهة عسكرية بين الطرفين لدرجة تدخل بعض الأطراف (تعتبر مناوئة لإيران على الأقل إعلامياً -مثل الإمارات-) ودعوتها للتحلي بالحكمة والتهدئة وعدم الانجرار إلى حرب.

فإذا كانت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران ليست السيناريو الفعلي لتداعيات الأحداث، فما هو السياق الذي أقدمت الولايات المتحدة من خلاله على اغتيال سليماني ومن معه وما هي التداعيات الفعلية لهذه العملية وما سبقها وتلاها من تطورات متعلقة بها ؟ وبالنسبة لإيران بعد مقتل سليماني والأحداث الداخلية التي تمر بها، هل هي فعلاً أمام خيار إنقاذ النظام أو المضي بمشروعها التوسعي في المنطقة ؟

من هو قاسم سليماني ؟

ولد قاسم سليماني في مدينة “قم” عام 1957 ونشأ في محافظة “كرمان”، جنوب شرقي إيران، من أسرة فقيرة ولم يتجاوز في مسيرته التعليمية المرحلة الثانوية.

حياته العملية بدأها كعامل بناء، ثم أصبح موظفاً في دائرة مياه بلدية “كرمان” ثم انضم إلى الحرس الثوري الإيراني، وتدرّج في مناصب مختلفة إلى أن تم تعيينه قائداً لفيلق القدس، الذي يمثل الذراع الخارجي للحرس الثوري الإيراني، وأداة إيران الأساسية في التحرك في عدة دول في مقدمتها سوريا والعراق ولبنان واليمن.

بعد تقلده منصب قائد فيلق القدس عام 1998 ونتيجة للدور المهم بالنسبة لإيران الذي قام به سليماني في عدة دول ونقاط ساخنة في المنطقة، أصبح يمثل رصيداً استراتيجياً ذا قيمة كبيرة للحكومة الإيرانية التي يتمتع الحرس الثوري الإيراني بنفوذ كبير فيها.

كانت هناك خصائص معينة أعطت لسليماني القيمة التي  يتمتع بها في إيران منها  قربه من المرشد الأعلى “علي خامنئي” وعلاقته الوثيقة به ، وهو ما سمح له بالتأثير في صنع القرار في إيران بشكل كبير وأعطاه الضوء الأخضر للقيام بالكثير من الخطوات ذات الانعكاسات المهمة على مستقبل إيران، من أهم هذه الخطوات، مشروع بناء حركة شيعية مسلحة عابرة للحدود متعددة الجنسيات تدين بالولاء للمرشد الأعلى وتقاتل مع إيران، وقد بادل سليماني هذا الانفتاح والقرب من خامنئي بإظهار الولاء الكامل حتى أن خامنئي لطالما وصفه بـ “الشهيد الحي” لكنه كان يحرص على أن يصف نفسه بـ “الجندي المخلص لولي الفقيه”.

ومن ضمن الخصائص الأخرى التي تمتع بها سليماني، حضوره الميداني واستعداده للمجازفة، فلم يكن يتردد في التحرك وسط المقاتلين الذين يقودهم ولم يكن يتهيب التواجد في نفس المناطق التي تتواجد فيها المعسكرات والقوات الأجنبية والاستخبارات الأميركية في العراق أو سوريا وغيرها من المناطق المشتعلة، وهذه النقطة بالذات ربما ساهمت إلى حد كبير في نجاحه في تشكيل واستقدام وعمل الميليشيات في العراق وسوريا ولبنان وحتى اليمن، التي كانت ترى في سليماني الميداني نموذجاً غير  اعتياديٍ وقدوة يحتذى بها في خوض غمار العمل المسلح بنفسه. وهي الخاصية الثالثة المهمة التي تمتع بها.

فقد شكلت شخصية سليماني نموذجاً ملهماً من نوع ما خصوصاً إذا ما أضفنا إليها مكانته كشخص ذو علاقات دولية وصاحب سلطة ونفوذ، وحب الإعلام للتعامل معه.

هذا عدا عن التزامه وجديته في المهمات التي كان يقوم بها -والتي تضمنت بحسب الاتهامات الموجهة إليه قتل آلاف السوريين والعراقيين-. فقد كانت ميزة الإلتزام والجدية فيما يفعل من الأمور التي ميزت شخصيته طوال عشرين عاماً من عمله كقائد لفيلق القدس.

هل كان اغتيال سليماني خرقاً غير مسبوق ؟

من الحقائق المهمة في عملية مقتل سليماني ومن كان معه أن العملية انطلقت بتوجيه مباشر من الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب.

وبما أن العملية جرت على الأراضي العراقية واستهدفت شخصيات عراقية، فمما يجب أخذه بعين الاعتبار موافقة العراق على تنفيذ العملية، خصوصاً وأن الاتفاقية الأمنية التي تتواجد وتتحرك القوات الأميركية بموجبها في الأجواء والأراضي العراقية لا تسمح للولايات المتحدة بتنفيذ هكذا عمليات دون تنسيق مسبق مع الحكومة العراقية، وهو ما نفت الحكومة العراقية حدوثه كما استنكره البرلمان العراقي بشدة لدرجة إصدار قرار يدعو لإنهاء الوجود الأمريكي في العراق.

البيان الأولي لوزارة الدفاع الأمريكية حول العملية، قال إن الغارة استهدفت ردع هجمات إيرانية مستقبلية، وأن القائد العسكري الإيراني البارز سليماني “كان يعمل بنشاط على تطوير خطط لمهاجمة الدبلوماسيين الأمريكيين واستهداف القوات الأمريكية في المنطقة”، لاحقاً قال مسؤولون أمريكيون، بينهم الرئيس ترامب نفسه، إن سليماني كان يخطط لـ “هجمات وشيكة”.

مصطلح (وشيكة) الذي قامت الإدارة الأميركية باضافته لاحقاً في بياناتها وتصريحات المسؤولين بخصوص العملية، مهم في تحديد السياق القانوني للقيام بهذه العملية لأن هذا الأجراء الذي قامت به الولايات المتحدة ولكي يكون مقبولاً من وجه نظر قانونية، يجب أن يكون “دفاعاً عن النفس لمنع وقوع هجمات (وشيكة)” ولا يكفي أن الهدف كان يخطط لهجمات مستقبلية فقط.

وبالرغم من أن الغارة التي قتلت سليماني تمثل تصعيداً نوعياً لا سابقة له في العلاقات بين واشنطن وطهران إلا أن الولايات المتحدة لا تبدو مترددة أو قلقلة بشأن مشروعية أو قانونية العملية، وفي حين لم تقم الحكومة الأميركية -إلى الآن على الأقل- بمشاركة علنية لأية تفاصيل، إلا أن إدارة ترامب تكتفي بالقول بأنها أطلعت شخصيات بارزة في الكونغرس على معلومات استخباراتية بهذا الصدد”.

في كل الأحوال فإن طريقة تصرف الولايات المتحدة هذه ليست جديدة وأصبحت مكررة منذ هجمات أيلول/ سبتمبر، وقد سبق وتم تنفيذ عمليات في فترة أوباما تحت مبرر “الدفاع عن النفس” ضد هجمات متوقعة لم يثبت أنها وشيكة في عدة مناطق من العالم.

كيف يمكن تقييم الرد الإيراني ؟

بشكل عام يمكن القول أن الرد الإيراني على مقتل سليماني -حتى الآن على الأقل- كان مجموعة من الخطوات غير الناجحة، ابتداء من جنازته التي أريد لها أن تكون موكباً مهيباً يجوب الشوارع والمدن ويتبرك بها الناس، فانقلبت إلى كارثة عندما مات أكثر من 50 شخصاً بسبب التدافع.

ثم الصواريخ التي أطلقت على مواقع أمريكية في العراق ولكن بعضها لم ينطلق وبعضها سقط بعيداً عن الهدف حوالي 40 كم، وحتى تلك التي نجحت في الوصول إلى أهدافها لم تتسبب بأي خسائر تذكر.

ثم تصريح المرشد الأعلى بأن صواريخه قتلت أكثر من 80 أمريكي، وأن الولايات المتحدة تخفي عدد قتلاها، والذي تم سحبه من التداول ونفيه على لسان مسؤولين إيرانيين أكدوا أن إيران لم تحاول أن تستهدف ولا تريد اسقاط ضحايا أمريكيين أصلاً.

وأخيراً كارثة إسقاط الطائرة الأوكرانية بأحد الصواريخ الإيرانية ومقتل كل ركابها-نصفهم تقريباً من الإيرانيين-، لتكون هذه الحادثة هي أكبر أثر تخلفه الردود الإيرانية غير الناجحة، التي لم تتناسب بشكل من الأشكال مع كمية ونوعية التهديدات التي أطلقها المسؤولون الإيرانيون طوال الفترة الماضية.

بينما شرعت الجهات المقربة أو المرتبطة بإيران في لبنان والعراق وسوريا واليمن وفلسطين، بإعلان وقوفها إلى جانب إيران واستنكار العملية والتهديد بحرب شاملة تنهي الوجود الأمريكي في المنطقة، في استجابة لصيحة الثأر التي أطلقتها إبنة قاسم سليماني التي كان من اللافت توجهها بالحديث لكل من قادة حزب الله والحشد الشعبي وحماس والحوثيين والنظام في سوريا، دوناً عن إيران والحرس الثوري الإيراني.

ولكن إيران ووسط هذه الدعوات للثأر والاستقواء بالحلفاء والاتباع، أعلنت على لسان وزير الخارجية جواد ظريف أن “رد طهران على اغتيال الجنرال سليماني، انتهى”.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل أعلن المتحدث باسم الحكومة الإيرانية “على الربيعي”: “إن طهران لم توصِ قوى المقاومة في المنطقة بالرد نيابة عنها على اغتيال قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري، قاسم سليماني” ، في اشارة واضحة إلى عدم تبني إيران أو مسؤوليتها عن أي تحركات تقوم بها الأطراف المحسوبة على إيران في المنطقة.

من الواضح أن صانع القرار في إيران يعرف جيداً حدوده وما يمكن فعلاً أن يقوم به وما لا يمكن، لذلك وبغض النظر عن كل التهديدات التي أطلقها المسؤولون الإيرانيون خلال الأيام القليلة التي تلت مقتل سليماني ورفاقه، فإن إيران وأمام جدية وحزم الولايات المتحدة هذه المرة، اضطرت لالتزام حدود معينة في الرد على العملية الأمريكية، وهذا بحد ذاته سبب لها إحرجاً كبيراً واعتبر كسراً لهيبتها.

ومما زاد في الحرج تلك الطريقة غير الناجحة في الرد على الهجوم وما رافقها من أحداث مؤلمة زادت من حرج النظام في إيران ضد شعبه الذي يتظاهر منذ فترة احتجاجاً على التضخم وغلاء المعيشة بمشاركة الطبقة الفقيرة والطبقة العاملة، ليضيف إليها الآن الاحتجاج على الأداء السيئ للحكومة الإيرانية في التعامل مع الأزمة على المدى القريب.

أما على المدى الأبعد، فقد سلط مقتل سليماني الضوء على سوء تقدير الساسة الإيرانيين لما يمكن للولايات المتحدة الإقدام عليه، وأظهر فشل القادة الإيرانيين في تقدير تبعات التوتر الذي أثاروه في المنطقة، لدرجة أنهم لم يكونوا غير محتاطين بالقدر الكافي فحسب، بل وكانوا متفائلين بعدم قدرة ترامب على التحرك ضدهم لأسباب تتعلق بوضع ترامب والداخل الأمريكي أو بسبب قدرة إيران وأذرعها على التعرض للمصالح الأميركية في المنطقة أو العالم حتى!!!.

هذه الثقة المفرطة من الجانب الإيراني وتماديها في المضي في خططها ومشاريعها، كانت الخطأ الذي ارتكبته إيران وتسببت في وضعها في الموقف السيء الذي هي عليه اليوم.

ولكن ومن خلال متابعة تحركات الدبلوماسيين الإيرانيين المعنيين بإدارة العلاقات الإيرانية الخارجية، وخطاباتهم الموجهة للعالم -وليس للداخل الإيراني- يبدو أن الإيرانيين تنبهوا إلى هذا الخطأ وما يشغلهم حالياً هو تدارك هذا الخطأ عبر إعادة تقدير آلية التعاطي مع الولايات المتحدة، وليس عبر القيام برد يرفع من حدة التوتر واحتمالية المواجهة المباشرة مع خصم لا قبل لهم به.

من ناحية أخرى فإن استراتيجية المرشد الأعلى لحفظ ماء الوجه، لم ترتكز عملياً على الرد الصاروخي (المحرج)، وإنما في الحرص على إظهار أن ما تعرضت له إيران لم ينجح في إضعاف قوتها أو كسرها، عبر مسارعة البرلمان الإيراني بتسمية الجيش الأمريكي بأكمله منظمة إرهابية، والإعلان عن تخصيص مبلغ إضافي قدره 223 مليون دولار لفيلق القدس. وتعيين اللواء إسماعيل قاني قائداً جديداً لفيلق القدس، في رسالة مفادها أن النظام في إيران ليس لديه عجز في النخب أو البدائل القيادية وليس عاجزاً عن سد الفراغ وتعويض النقص والمضي قدماً.

مشروع قاسم سليماني هل نجح فعلاً ؟

الميزات الشخصية بالتأكيد كان لها دور كبير في بلورة وتعاظم مكانة سليماني في إيران، ولكن الأهمية الحقيقية لهذا الشخص بالنسبة لإيران كانت تنبع من المهمة التي اضطلع بها والخطة التي يعمل عليها المتضمنة بناء حركة شيعية مسلحة عابرة للحدود متعددة الجنسيات تدين بالولاء لإيران وتقاتل معها في حالة اندلاع حرب، فيما يمكن اعتباره تنفيذاً عملياً لمفهوم تصدير الثورة الذي يتبناه النظام الإيراني.

هذا المشروع تنامى كثيراً بعد سقوط نظام صدام في العراق، وضعف النظام الجديد وهياكل الدولة العراقية الجديدة وعدم قدرتها على حماية نفسها من التدخلات الخارجية خصوصاً منها الأميركية والإيرانية، وحالة الفوضى والاقتتال التي سمحت لإيران والجهات المرتبطة بها بتشكيل ميليشيات وجماعات سياسية وأمنية تأتمر بأمرها وتدين بالولاء لها.

الأمر نفسه تكرر ولكن بشكل أصغر في حالة سوريا عندما استغلت إيران ما يجري في سوريا واستخدمت علاقتها بالنظام السوري وضعف النظام وحاجته للمساندة، وتفضيله السماح للقوى الخارجية بالتواجد والتمدد في سوريا على التنحي عن السلطة.

ويمكن القول أنه وخلال السنوات القليلة الماضية كانت هناك فترة تمتعت فيها إيران بنفوذ كبير جداً في أربع عواصم عربية على الأقل هي بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء بفضل الحرس الثوري الإيراني وجهود قاسم سليماني تحديداً.

وقد كان وقف تمدد الحراك الشعبي في سوريا ومحاربته وكبت كل الأصوات المعارضة والمناوئة لإيران في العراق ولبنان، أحد أهم الأهداف التي نشطت من أجلها الميليشيات الإيرانية أو المرتبطة بإيران في المنطقة مثل حزب الله والعديد من كتائب والمجموعات العراقية المسلحة ونجحت إلى حد كبير في تحقيقها.

وهذا لم يجر في غفلة أو بعيداً عن انظار ومسمع المنظومة الدولية، فقد كانت التحركات الإيرانية واضحة ومشاهدة من قبل مختلف دول الإقليم والعالم والولايات المتحدة بشكل خاص، ولكن لم يتم اتخاذ أي إجراءات تؤدي فعلياً للحد من هذا التمدد وهذا النفوذ حتى وقت قريب.

وعلى العكس من ذلك فقد تعاملت الولايات المتحدة وأوروبا مع إيران ونفوذها كأمر واقع وبادرت إلى تفعيل المفاوضات معها وتطوير مسارها وصولاً لتوقيع الاتفاق النووي الذي اعتبرته إيران-أو تيار معين فيها- نصراً كبيراً لها لعدة أسباب أهمها أنه مثل قبولاً وعودة إيران لنادي المنظومة الدولية كما أنه يفتح المجال لها لاسترداد العديد من أموالها المجمدة وينهي عزلتها الاقتصادية، وهو ما عنى شرعنة الدور الإيراني في المنطقة والعالم.

غير أن الاتفاق النووي الذي قاد جواد ظريف جهود توقيعه من الجانب الإيراني، لم يكن محط ترحيب من كل القوى ومراكز صنع القرار داخل إيران، حتى أن بعض بنوده تم انتقادها من قبل المرشد الأعلى في أحد خطبه في تلك الفترة، فقد اعتبر التيار المتشدد -إن صح الوصف- في الدولة الإيرانية أن الاتفاق عبارة عن “عقد مع الشيطان”، مع ذلك فقد تم المضي في توقيع الاتفاق النووي الذي كان من المفترض أن يقتضي التزام إيران بقواعد وأعراف المنظومة الدولية المتعلقة باحترام حدود الدول وسيادتها وعدم التدخل بشؤونها، وهو ما لم تلتزم به إيران ولا قاسم سليماني فيما يبدو.

– مشروع سليماني في سوريا

لقد لعبت الميليشيات الإيرانية في سوريا دوراً هاماً في مواجهة فصائل الجيش الحر والمجموعات المسلحة المعارضة، وساهمت بشكل كبير إلى جانب روسيا في بقاء النظام وصموده بوجه الحراك في سوريا، واستطاعت السيطرة على العديد من المناطق التي كانت المعارضة تسيطر عليها وكان لها دور كبير في استعادة سيطرة النظام على مدينة حلب التي تعد واحدة من أكبر الخسائر التي منيت بها المعارضة السورية.

وبالتوازي مع هذا الدور تعتبر هذه الميليشيات والجهات المرتبطة بها مسؤولة بشكل أو بآخر عن عشرات المجازر وانتهاكات حقوق الانسان التي جرت على الأرض السورية طوال الفترة الماضية.

من ناحية أخرى فقد حرصت هذه الميليشيات خلال الفترة الماضية على التموضع في مناطق محاذية أو قريبة من الاحتلال الإسرائيلي في الجولان السوري مما يضع القوات الاسرائيلية أو المستوطنات الاسرائيلية في مرمى نيران هذه الميليشيات، وهو ما أثار حفيظة الكيان الاسرائيلي كثيراً ودفعه للقيام بغارات جوية على أماكن تموضع هذه الميليشيات من وقت لآخر والتفاوض مع روسيا والولايات المتحدة للضغط على إيران لسحب ميليشياتها والجهات التي تتبع لها إلى مسافة معينة، وهو ما تم تدريجياً مع مرور الوقت، حيث تتموضع معظم الميليشيات الإيرانية اليوم على مسافة عشرات الكيلومترات من المناطق المحاذية للاحتلال الإسرائيلي.

أما أعداد المقاتلين الإيرانيين والمقاتلين التابعين للميليشيات المرتبطة بإيران فقد تقلصت في معظم نقاط الاشتباك منذ إعادة هيكلة قطاعات جيش النظام وتعزيزها ودمج معظم الميليشيات والمجموعات المسلحة التي كانت تعمل بشكل منفصل، بعد تعيين “علي أيوب عبد الله” المقرب من روسيا وزيراً للدفاع،  وتدخل الروس في العديد من القرارات المفصلية في الجيش لإعادة تشكيله وتفعيل دوره.

أضف إلى كل ذلك تواجد الولايات المتحدة ودعمها لميليشيات قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي باتت تمثل الذراع الميداني للولايات المتحدة في سوريا، وتوسع هذه الميليشيات على حساب العديد من الأطراف في منطقة شرق الفرات ومن ضمنها الميليشيات التابعة لإيران والتي تتلقى ضربات موجعة بين الفينة والأخرى على نقاط تواجدها قرب الحدود السورية العراقية من قبل طيران الاحتلال الإسرائيلي أو من قبل طائرات التحالف أو تشتبك مع ميليشيات قسد.

بالنظر لكل ما سبق يمكن القول أن الدور الميليشياتي الإيراني في سوريا قد تراجع بشكل كبير بعد انكفاء المعارضة السورية وتحديد مساحة حركتها، وتوسع الدور الروسي وسيطرته على مقدرات سورية، وتعاظم الوجود الأمريكي المباشر أو من خلال “قسد”، وإصرار الكيان الاسرائيلي على تحييد التهديد الإيراني.

لا يعني هذا بالضرورة أن النفوذ الإيراني بشكل عام قد انحسر بالكامل من سوريا، فإيران لا تنفك تحاول توسعة دورها ونفوذها في مجالات أخرى غير المجال العسكري مثل قطاع التعليم والمصارف والاتصالات وغيرها. ولكن الشكل الميليشياتي لهذا النفوذ والدور الميليشياتي الإيراني في سوريا جرى التضييق عليه بشكل كبير من مختلف الأطراف خلال الفترة الماضية ومقتل سليماني قد يكون إيذانا بانتهاء هذا الدور بشكله الميليشياتي في سوريا على الأقل.

– مشروع سليماني في العراق

أما في العراق فقد تلقت الميليشيات المرتبطة بإيران -ممثلة بهيئة الحشد الشعبي بشكل أساسي-، عدة ضربات موجعة مؤخراً.

أحد أكبر الضربات تمثلت بخروج أعداد كبيرة من المتظاهرين في مختلف محافظات العراق تنتقد الفساد والمحسوبية وتنادي بتحرير الدولة من سيطرة الميليشيات وإقرار قانون انتخابي جديد يسمح بوصول “شخصيات وطنية” إلى مواقع المسؤولية، وحركة التظاهرات وشعاراتها ومطالبها كانت موجهة بشكل كبير ضد الميليشيات ودورها السلبي في العراق.

هذا الحراك الذي انطلق في العراق قبل شهور قليلة نجح في كسر هيبة هذه الميليشيات والقداسة التي كانت تُضفى على رموزها وقياداتها وفي مقدمتهم أبو مهدي المهندس وقاسم سليماني اللذان قتلا في الغارة الأمريكية، كما تسبب بإرباك كبير للحكومة العراقية التي تتعايش بطريقة ما مع هذه الميليشيات التي اعتبرت المظاهرات والمتظاهرين “مجرمون يجب القصاص منهم” وهو ما وضع الحكومة في مأزق كبير.

هذا الحراك سلط الضوء على التردي الكبير للأوضاع في العراق والفساد الكبير المتجذر في مفاصل الدولة العراقية، والدور الإيراني الذي حرص على توجيه موارد وثروات العراق لصالح إيران وهو ما انعكس إلى حالة من الكره والتمرد في أوساط الشباب العراقي ضد الوجود الإيراني والأجنبي بشكل عام.

هذا كله أضعف من دور الميليشيات وقدرتها على التحشيد وجذب الأنصار وتجنيد الشباب، حتى أقر المسؤولون في هذه الميليشيات والعديد من الرموز الدينية والمرجعيات الشيعية المؤيدة أو المشرعنة لدور هذه الميليشيات، بالخطر وأن مشروعها مهدد بالتفكك، مما يستوجب رداً سريعاً وحاسماً وهو ما تبلور في عدة حالات إلى صدام دامٍ مع المتظاهرين واغتيالات وسقوط قتلى وجرحى وغيرها من الممارسات القمعية، وهو ما زاد من نزعة العداء للوجود الإيراني في أوساط الشباب والنخبة العراقية.

لا يمكن النظر إلى لعراق اليوم على أنه دولة قوية أو أن مشروع إيران في العراق ونفوذها ودور قاسم سليماني قد انتهى لشيء جيد، وعلى العكس فإن العراق الذي توجد فيه شريحة شيعية كبيرة، يشهد نزعة قوية مناوئة لإيران والدور الإيراني بشكل عام ورافضة للطبقة السياسية والعملية السياسية كونها متحكم بها من قبل إيران.

– مشروع سليماني في لبنان

ويمكن الحديث بنفس الطريقة عن لبنان وحالة الرفض للحكومة المرتبطة بالطبقة السياسية الحاكمة ومن خلفها إيران وذراع إيران المهم في لبنان والمنطقة (حزب الله)،

مع الأخذ بعين الاعتبار أن التهديد الذي يعاني منه مشروع الجيش الشيعي العابر للحدود في لبنان، يبدو الأقل تضرراً إلى الآن، فالتهديد الذي يعانيه حزب الله في لبنان ليس تهديداً وجودياً، ومكتسبات حزب الله السياسية والميدانية-حتى الآن على الأقل- ليست مهددة بشكل كبير كما هو الحال في العراق وسوريا.

هذا لا ينفي أن وضع لبنان بشكل عام غاية في السوء، وبدلاً من أن تشكل لبنان حالة دعم ومؤازرة لإيران في حربها المفترضة مع آخرين، فإن لبنان اليوم هو بحاجة إلى من يمد له يد العون.

وبطريقة أو بأخرى فإن هناك جمهوراً معيناً من اللبنانيين وحتى غير اللبنانيين من أبناء المنطقة يعتقدون أن ما وصل إليه الوضع في لبنان من ترد وحالة مزرية يتحمل حزب الله ومِن خلفه إيران مسؤولية كبيرة فيه إن لم يكن الأكبر، إلى جانب باقي أطراف العملية السياسية ورموزها وفي مقدمتهم سعد الحريري وتياره.

ومن المهم الإشارة هنا إلى أن تحميل المسؤولية لحزب الله لا يأتي من طرف المناوئين فقط، وإنما يأتي أيضاً -في كثير من الأحيان- من محبي أو أنصار الحزب الذين يفترضون أن حزب الله هو التشكيل الأقوى وبالتالي من المفترض أن يكون قادراً على فعل ما يلزم لإخراج لبنان من أزمته.

– مشروع قاسم سليماني الذي مات قبله

خلاصة القول، أن إيران تمكنت خلال السنوات الماضية من فرض نفوذ واسع في عدة عواصم عربية وأنشأت كيانات وميليشيات محلية مرتبطة بها ارتباطاً وثيقاً وتتبع لها بشكل كامل، إلا أن هذه الميليشيات وهذا النفوذ سرعان ما تحول إلى عبء على إيران وعلى مشروع تصدير الثورة، أما الدول التي نشأت ونشطت فيها هذه الكيانات بما فيها العراق -الذي يعتبر واحدة من أغنى دول العالم في المنطقة -، فقد تحولت هي بدورها إلى مصدر للقلاقل والتمرد على مشروع سليماني وعلى الوجود الإيراني بشكل عام، وظهرت فيها حركات واحتجاجات ترفض الدور الذي تقوم به هذه الميليشيات وترفض المشروع الإيراني ككل لدرجة انه وفي كثير من الحالات تم شمل رجل الدين الشيعي بهذا الرفض بسبب الارتباط الوثيق بين المشروع الإيراني السياسي والمذهبي في المنطقة.

وحتى في إيران نفسها وبالرغم من حالة الحزن والغضب التي عبّر عنها التابعون الأوفياء لسليماني، فقد أظهر آخرون لامبالاة واضحة بخصوص اغتيال شخصية النظام المهمة هذه، لعدم رضاهم عن السياسة التي تنتهجها إيران في المنطقة وعدم استعدادهم لتقبل التبعات التي تعاني منها إيران اليوم بسبب هذه السياسيات.

تبعات مقتل سليماني على العلاقات الإيرانية الأمريكية ؟

لقد تحول قاسم سليماني ومشروعه مؤخراً، إلى حمل ثقيل على النظام في إيران بالرغم من محورية الدور الذي لعبه في بعض القضايا أو المحطات المهمة في المنطقة مثل حماية النظام في سوريا من السقوط.

وفي الوقت الذي كانت فيه مؤشرات المشروع الإيراني تأخذ منحى متدنياً فإن سليماني وبطولاته استمرت في الصعود واستمر نفوذه بالتوسع في داخل المنظومة الإيرانية، أما التيار المتشدد الذي بات سليماني أحد رموزه وربما رأس الحربة فيه، فقد أصبح أكثر قدرة على فرض سيطرته وتوجهاته على الدولة الإيرانية.

وبالتالي فإن مقتل سليماني بالرغم من كل الأوجاع التي تسبب اغتياله بها لإيران، الا أنه خلّص النظام في إيران من عبء كبير لم يكن بالإمكان إزاحته بطريقة طبيعية نظراً لنفوذ وشعبية هذا الشخص في الأوساط الإيرانية،

لقد منح اغتيال سليماني الفرصة لما يعرف بالتيار الإصلاحي في الدولة الإيرانية للمضي قدماً في مفاوضات جديدة مع الولايات المتحدة، ولكن مع ترامب وليس أوباما هذه المرة.

ومن الواضح أن القيادة الإيرانية أو التيار الإصلاحي المنسوب إلى جواد ظريف قد التقط هذه الفرصة وبدأ تمهيد الطريق لآلية أو لطريقة أخرى للتعامل مع الولايات المتحدة غير تلك التي كان يدفع باتجاهها قاسم سليماني وجماعته.

لذلك نحن غالباً مقبلون على تفاهم إيراني أمريكي جديد يؤدي إلى مزيد من تحييد ميليشيات سليماني ومفهوم التشكيل العسكري العابر للحدود، وقد يفتح المجال أكثر للعمل وفق مفهوم سيادة الدول وتوجيه شعوبها إلى تركيز جهودهم على بناء أوطانهم من الداخل، بدل التحشيد العقائدي أو العرقي أو الطائفي من نوع وتشكيل مجموعات القتال عابرة للحدود تفرض رؤية إيران على الآخرين.

الحشد الشعبي في العراق بعد سليماني ؟

يتألف الحشد الشعبي في العراق من قرابة 68 فصيلاً، وتقدر أعداد أفراده بأكثر من 130 ألف مقاتل، ويتقاضى عناصره راتباً شهرياً من الحكومة العراقية بنحو 600 دولار، إضافة إلى بدل طعام بمئة دولار شهرياً.

تشكيل الحشد الشعبي جاء بفتوى من المرجعية الشيعية في العراق في إطار محاربة تنظيم داعش، ولكن بعد هزيمة التنظيم، حافظ الحشد الشعبي على تشكيله وبقي منتشراً في المناطق التي تم تحريرها من التنظيم وصار يلعب دوراً معيناً في ضبط الأمن في هذه المناطق.

ومن جهة أخرى اتجهت فصائل الحشد الشعبي للمشاركة في العملية السياسية حيث أصبح أغلبها ممثلاً في البرلمان ومراكز الدولة، وهو ما وسع من نفوذ وصلاحيات هذه الميليشيات وخلق نوعاً من الغطاء الشرعي لممارساتها.

ودائما ما يُتهم الحشد الشعبي بالطائفية و بارتكاب انتهاكات ضد السنة وهو ما تنفيه قيادات الحشد.

منذ فترة والحشد الشعبي يرزخ تحت ضغط كبير بسبب النزعة المناوئة للتدخل الايراني في الشأن العراقي والتي تتصاعد بشكل مستمر بسبب التهم بالفساد والتبعية لإيران والفشل في حل المشاكل التي يعاني منها العراق،

كل هذا أضعف من قدرة الحشد الشعبي على التجنيد وعلى جذب الأنصار كما أن سلوك هذه الميليشيات وتجاوزاتها بحق المواطنين وممتلكاتهم، بدأت تنعكس بشكل واضح على شعبية المرجعية الدينية الشيعية في العراق التي لطالما تمتعت بقدسية كبيرة.

من جهة أخرى فإن الحشد الشعبي في العراق ومنذ عدة شهور يعيش حالة حرب غير رسمية مع الولايات المتحدة، إذ تتموضع أعداد كبيرة من المقاتلين التابعين للحشد الشعبي على الحدود العراقية السورية حيث تتواجد القوات الأميركية وحلفائها خصوصاً في منطقة البوكمال والمناطق المحاذية لها.

تتعرض هذه المجموعات المتمركزة على الحدود لضربات جوية من طائرات التحالف أو من الطائرات الاسرائيلية توقع أعداداً كبيرة من الضحايا من وقت لآخر.

رغم ذلك لا تخف هذه الميليشيات عدائها للولايات المتحدة وتؤكد على تمركزها عند المناطق الحدودية بالاشتراك مع نظيراتها الايرانية.

وبالاضافة للضربات العسكرية فقد أصدرت الولايات المتحدة عقوبات بحق العديد من قيادات هذه الميليشيات تضمنت الحجز على أموالهم وتقييد حركتهم كنوع من الضغط على هذه الشخصيات.

مقتل قاسم سليماني والمهندس وما تبع ذلك من قرارات تضمنت وضع ميليشيات عصائب أهل الحق وقائدها قيس الخزعلي وأخوه ليث الخزعلي وغيرهما من قادة الحشد الشعبي على قوائم الإرهاب، مثّل ضربة اضافية للحشد الشعبي.

وسط هذا كله كان من اللافت للنظر التحرك الذي قام به مقتدى الصدر إذ أصدر قراراً باستئناف نشاطات “جيش المهدي”، وهي من المجموعات المسلحة الشيعية الأولى التي تشكلت إبان احتلال العراق بمبرر محاربة القوات الأميركية.

وهي أيضاً المجموعة التي انشق عنها الكثير من القيادات والفصائل المكونة للحشد الشعبي، فتفعيل هذا (الجيش) الآن إنما هو دعوة لهذه الفصائل والقيادات للعمل تحت لواء جيش المهدي من جديد، كبديل عن حالة التشظي التي يمكن أن ينتهي إليها الحشد الشعبي في العراق في ظل الضغط الذي يرزخ تحته واحتمالية عدم قدرته على الاستمرار، وهو ما يعني ضمناً أن مقتدى الصدر يقدم نفسه هنا كبديل لسليماني والمهندس ليقوم مقامهما في قيادة المجاميع الشيعية المسلحة في العراق.

يعزز هذا الطرح الرسالة التي نشرها مقتدى الصدر على وسائل التواصل الاجتماعي والتي توعد فيها ترامب وتحداه، بعد أن وجه له جملة من الإهانات، محاولاً لعب دور رأس الحربة في مواجهة التحركات الأميركية الأخيرة في محاولة لتعزيز وتفعيل دوره المرجعي والقيادي، وسط موجة التنديد بالوجود الأمريكي والدور الأمريكي في المنطقة.

أحد السيناريوهات التي ستساعد الحشد الشعبي على تخطي المأزق الذي يمر به اليوم يتضمن عودة نشاط تنظيم داعش وتبنيه لعمليات انتقامية أو طائفية في العراق،

هذا السيناريو الذي هو في حقيقته ليس أكثر من انتكاسة جديدة في الأوضاع في العراق، سيعطي الحشد دفعة كبيرة للاستمرار وسيضع طيفاً واسعاً من العراقيين أمام خيارات صعبة، وبقدر ما سيخلق موجة انتقادات واسعة للحشد وسرديته حول القضاء على تنظيم داعش فإنه سيمثل فرصة للحشد للنشاط والانتشار ومبرراً للاستمرار في ممارساته غير المرغوبة، وحجة لقمع المناوئين.

باختصار يبدو جلياً أن الحشد الشعبي في العراق يعيش أصعب أيامه وهناك الكثير من العقبات والتحديات التي تواجهه سواء على مستوى علاقته بإيران وإمكانية استمرار إيران بدعمه وشرعنته وهي في طريقها لتفاهم من نوع ما مع الولايات المتحدة، أو على مستوى دوره في الحكومة والبرلمان والعملية السياسية ككل، أو على مستوى قبوله في الشارع العراقي، أو على مستوى الوضع القانوني والشرعية الدولية، أو على مستوى قدرة قياداته الحالية على ضبط وتنظيم أعضائه والحفاظ على مساندة المرجعية الشيعية له، مع ذلك ونتيجة لحرص الحشد الشعبي على البقاء والحفاظ على النفوذ فإن العراق قد يكون مقبلاً على سيناريوهات غير محبذة أبداً مثل سيناريو فراغ السلطة، أو سيناريو عودة التوحش، أو سيناريو حرب أهلية عمودها هذه الميليشيات والجهات والأطراف الرافضة لاستمرار دورها.

الحراك الشعبي العراقي بعد سليماني 

يشهد العراق منذ أكثر من مئة يوم مظاهرات واسعة واعتصامات في بغداد ومحافظات عراقية أخرى، وضعت الحكومة وقوى البرلمان والطبقة السياسية بشكل عام في موقف حرج بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية والخدمية في البلاد، وهو ما يضع النظام السياسي المبني على المحاصصة على المحك.

العديد من الخبراء والمحللين توقعوا توقف الحراك في العراق وتواريه خلف مشهد جنازة سليماني، وخلف مشهد التصعيد المتزايد بين إيران والولايات المتحدة، والأجواء الفوضوية في العراق التي تفتح المجال أمام المزيد من القمع والقتل في صفوف المتظاهرين، هذا عدا عن دعوات موازية مستمرة للتظاهر في شتى أنحاء العراق ثأراً لمقتل سليماني والمهندس ورفض الوجود الأمريكي.

فاغتيال قاسم سليماني بقدر ما هو مؤلم لإيران و أذرعها، هو فرصة ذهبية لإحياء سردية الممانعة والمقاومة وتوجيه الغضب في الشارع العراقي -وحتى اللبناني- إلى الأعداء الخارجيين للمشروع والثورة الإيرانية، واتهام أولئك الذين لا يعملون ضمن هذا التوجه بالعمالة والخيانة.

ولكن الذي حدث فعلياً أن المتظاهرين العراقيين وبعد ثلاثة أيام فقط من مقتل سليماني بدؤوا يتظاهرون في مختلف مناطق العراق للتعليق على قرار البرلمان العراقي بطرد قوات الاحتلال الأمريكي من العراق، حيث نادوا بإخراج كل الجهات الأجنبية من العراق واصفين كلا الوجودين (الإيراني والأمريكي) بالاحتلال،

ثم اتبعوا هذه المظاهرات، بموجة مظاهرات أخرى بعد أيام قليلة، أكدوا فيها على استمرار الحراك والإصرار على المطالب رافعين شعار: نريد وطناً، محاولين الدفع باتجاه المطلب الثاني على قائمة مطالب الحراك، والمتمثل في حل البرلمان والذهاب إلى انتخابات مبكرة وفق قانون انتخابي جديد، بعد أن نجحوا -جزئياً- في تحقيق مطلب استقالة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي وحكومته.

ومع ذلك، فالحراك الشعبي العراقي لم يتجاوز مرحلة الخطر، وعلى العكس، فهذا الحراك الذي يثبت وجوده ومشروعيته في كل مناسبة، أمامه اليوم معركة شاقة لتحقيق الأهداف التي ينادي بها، و أمامه تحد صعب للمحافظة على السمات الوطنية والسلمية التي تميزه لكي لا ينحرف عن مساره إلى ما لا يحمد عقباه.

خلاصة

قاسم سليماني الذي اغتالته الولايات المتحدة في 03 يناير 2019 ، لم يكن شخصاً عادياً أبداً، لا من حيث السمات التي كان يتمتع بها ولا من حيث الدور الذي كان يلعبه في المنطقة -بغض النظر عن طبيعة هذا الدور- ولا من حيث الدولة التي كان يخدمها (إيران)، وبالتالي فإن مقتله ليس حدثاً عادياً أيضاً ومن الطبيعي أن يثير الكثير من الجلبة والتكهنات والمخاوف.

إذ يبدو أن إيران الدولة التي لطالما قدمت نفسها على أنها دولة قوية متماسكة قادرة على الدفاع عن نفسها لا بل ومهاجمة الآخرين في عقر دارهم، تلقت صفعة كبيرة ربما تكون الأكبر في العقد الأخير، وفي نفس الوقت لم تسعفها قوتها ولا الظروف التي تمر بها ولا الفارق الكبير في القوة بينها وبين عدوها لتوجيه الرد المناسب وقد لا تتمكن من ذلك في وقت قريب.

من زاوية أخرى فلا يمكن أن نتجاهل الصراع الحاصل بين التيار الإصلاحي والتيار المحافظ في إيران، ودور سليماني ومشروعه فيه هذا الصراع، وكيف أن تحييد سليماني وإن كان قد جاء على غير الطريقة التي قد يفضلها أو يتخيلها الكثيرون بما فيهم التيار الإصلاحي في إيران نفسه، ولكنه قد يشكل متنفساً لهذا التيار للتحرك بشكل أوسع ويعطيه القدرة للتأثير أكثر في صناعة القرار في إيران.

وبالتالي فإن ما حصل قد ينتهي إلى شيء آخر غير الحرب، بمعنى أنه قد يؤدي إلى جلوس الأطراف على طاولة مفاوضات شبيهة إلى حد ما بتلك الطاولة التي جلس عليها ظريف وأوباما عندما تم توقيع الاتفاق النووي مع إيران، ولكن مع ترامب هذه المرة، وهو ما سيعطي لترامب -إن نجح في تحقيق اتفاق يكبح جماح إيران و يؤطر دورها وتحركاتها- دفعة كبيرة في شعبيته ومكانته وحتى تاريخه وإرثه الذي سيخلفه عندما يترك السلطة.

أما مشروع إيران أو مفهومها لتصدير الثورة، الذي ركز خلال السنوات الماضية على بناء أو تفعيل حاضنة شيعية تابعة لها في عدة دول، وتشكيل أذرع عسكرية وسياسية وأمنية تأتمر بأمرها وتساندها، هذا المشروع يبدو أنه أثمر عن نتائج مريرة ووصل إلى نهاية مسدودة، بعد أن تسبب -أو ساهم على الأقل- في إدخال هذه الدول التي نشط فيها في دوامة اقتتال وفساد وعدم استقرار، لا أحد يعرف متى أو كيف ستخرج منها، وحول الحاضنة الشعبية -أو جزءاً منها- من مؤيدة لإيران والمشروع الإيراني إلى كتلة مناوئة ورافضة للدور والوجود الإيراني.

مراجع

معهد واشنطن: هل يُعتبر مقتل سليماني ذا أهمية؟ النتائج من ورشة عمل عام 2019 http://bit.ly/2RllRmq

بي بي سي: مقتل قاسم سليماني: ما موقف القانون الدولي؟ https://bbc.in/3a9UDYg

الغارديان: كيف تراجع مشروع طهران في الشرق الأوسط؟ https://bbc.in/2t6x81S

القدس العربي: جمهورية العصفورية… لماذا يبكي الإيرانيون؟ http://bit.ly/2NoxEil

فورن أفيرز: سليماني كان أكثر قيمة في السياسة وليس في الحرب  https://fam.ag/38buKWr

العربي الجديد: برهان غليون: إنقاذ الربيع العربي أقل تكلفة بكثير من إجهاضه  http://bit.ly/2Gk4bCl

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: