تحليلات

السيناريوهات والمآلات المحتملة للحالة السورية

مدخل

الدعوات لترك الأسد لمنصبه جاءت مبكرة، خصوصاً تلك التي جاءت من الدول الغربية لتليها دعوات واضحة صريحة ورسمية من الدول العربية أيضاً، ولكن التدخلات العملية الحقيقية التي يمكن أن تخدم سيناريو رحيل الأسد شبه معدومة، ونستطيع أن نقول إن العامل الخارجي منذ اليوم الأول للثورة في سوريا كان يتحرك وفق أجندات أو أولويات خاصة تخدم أهداف الفاعلين الإقليميين والدوليين ومصالحهم في المنطقة، ولا تتوافق بالضرورة ومسار رحيل الأسد أو زوال النظام كخطوة أساسية للانتقال بسوريا إلى وضع جديد أفضل ممَّا هي عليه اليوم.

ومن الأمور التي تستدعي المراجعة والاهتمام، ذلك الاختلاف الذي ربما لا زال قائماً إلى اليوم حول معنى (وليس مآلات أو إمكانية) سقوط النظام في سوريا، وعن علاقة سقوط النظام بسقوط رأس النظام: بشار الأسد،

كتب العديد من الخبراء في بداية الثورة السورية حول الاختلاف بين الحالة الليبية والسورية في هذا الجانب، لكون النظام في الحالة السورية لا يقوم بالضرورة على شخص الأسد نفسه (في ذلك الوقت على الأقل)، وقد لاحظ الخبراء والباحثون منذ الأيام الأولى أن الأسد يقدم نفسه كشخصية إصلاحية عبر طرح مزاعم الإصلاح، وهو ما اقتضى بالضرورة التسليم بافتقار النظام لهذه الإصلاحات وحاجته إليها، ومن ثم أصبح حكم الأسد في سوريا أكثر شخصنة، حتى تطور الأمر إلى الحديث عن من يدير النظام في سوريا فعلياً وعن دور أخو بشار الأسد (ماهر الأسد) في عمليات القتل والتصفية والقمع، ودور والدته وغيرهما من أقاربه. وبلغت الطروحات حد المبالغة في عدم مسؤولية الأسد عن ما يجري بل وعدم علمه بها حتى، ولكن هذا لم يستمر طويلاً بسبب ظهور الأسد المتكرر في الصورة وإسباغه الشرعية على ممارسات أجهزته، ومحاولة سوقه التبريرات أو إنكار الأخطاء والتجاوزات، ومن ثم فلم يبق من ذلك الطرح سوى مسلمة: أن رحيل الأسد سيضعف النظام بشكل خطير، إن لم يتسبب بقتل النظام بأسره.

وكباقي الأنظمة التي واجهت الربيع العربي، فقد استند طرح النظام بشكل كبير منذ بداية الحراك إلى أن البديل الوحيد عنه هو الفوضى، ليتطور الأمر بعد ذلك إلى طرح مفاده أن البديل الوحيد عنه (أي النظام) هو الفوضى المنظمة “الإرهاب”، ومن ثم فهو مستعد للذهاب بهذا الصراع إلى أعلى المستويات ويمكن أن يفعل أي شيء لمنع هذا المصير.

في بداية الأحداث في سوريا (2011)، كانت التوقعات بخصوص مستقبل الحالة السورية مختلفة كثيراً ومتباينة إلى حد كبير، ولكن كثيراً من هذه التوقعات كانت مسيسة؛ بمعنى أنها كانت تحاول الدفع باتجاه سيناريو معين مرغوب به من جهة ما، أكثر من كونها تنبؤات مجردة لتطورات الأوضاع، وكان هناك حالة من الإجماع على أن الجدول الزمني لتطورات الأوضاع في سوريا غير واضح أبداً، وأن “نهاية اللعبة” كما تم وصفها في وقتها غير واضحة المعالم.

فلدى الحديث عن سيناريوهات الثورة السورية، لعله من المفيد مراجعة ما كان يُتداول بخصوص مستقبل سوريا في الفترة الأولى للحراك وما تلاها من تطورات، فقد تضمنت أغلب السيناريوهات التي تم الحديث عنها في بداية الحراك رحيل الأسد وأن أيام الأسد معدودة بشكل ما. ولذلك كانت النقاشات تدور حول الآليات أو السيناريو الذي سيرحل في نهايته الأسد.

فمنها (أي سيناريوهات رحيل النظام) ما افترض التدخل الدولي، وكان هذا أحد الخيارات المطروحة بقوة في أذهان العديد من الأطراف بحكم التجربتين العراقية والليبية. ولكن الحقيقة أن العديد من الخبراء كانوا قد أشاروا من البداية إلى أن تجربتي العراق وليبيا هما السبب لعدم التدخل وليس العكس؛ لأن نتائج التدخل برأي المجتمع الدولي بما فيه الولايات المتحدة نفسها كانت كارثية.

ومن هذه السيناريوهات ما افترض ضعف النظام بشكل مطرد في الجانب الاقتصادي تحديداً، في مقابل توسع دائرة الاحتجاجات ضده، لينتهي الأمر بتهالك النظام اقتصادياً وتعطل المؤسسات، ليعقبه سقوطه بطريقة ما. ولكن الحقيقة أنه مهما ضعف الاقتصاد في سوريا فإن النظام في سوريا لديه القدرة على تعبئة الموارد من قطاعات المجتمع، بما في ذلك شبكات الفساد والتهريب والاتجار بالسلاح والأعضاء والتزوير وغيرها، ومن ثم فإن الاعتماد على إضعاف الاقتصاد كمسار ينتهي بسقوط النظام أمر مستبعد، خصوصاً في ظل تمتع النظام بدعم الأجهزة العسكرية والأمنية التي لم يكن يُتوقع منها في ذلك الوقت البقاء متماسكة حتى الآن.

ومن السيناريوهات المهمة التي تم افتراض حدوثها بخصوص رحيل النظام هو السيناريو المعتمد على فكرة تفكك النظام عبر انشقاق أعداد كبيرة ومكونات نوعية عنه، وتحولها إلى المواجهة معه بدل الوقوف إلى جانبه. بل وذهب البعض فيما يخص هذا السيناريو إلى احتمال قيام مجموعة ما من داخل النظام ليس فقط بالانتقال إلى المعسكر الآخر، وإنما بالانقلاب عليه من داخل النظام نفسه والإطاحة به. وهذا المسار أو السيناريو بطبيعة الحال يتضمن خطر الاقتراب من الوقوع في الحرب الأهلية على أساس طائفي أو أي أساس آخر(عرقي، مناطقي، ديني، أيديولوجي..الخ)، وافتراض حدوثه في وقتها كان يعني تصعيد الأمور في سوريا لتقترب إلى حد التحول إلى حرب أهلية واحتمالية حدوثها بالفعل.

 وفعلاً أثبتت الأحداث التي مرت بها الثورة السورية أن النظام مستعد للتضحية بالقريب والبعيد، وتوظيف كل قوى المجتمع، ولو أدى ذلك إلى دخوله في حرب أهلية وإضعافه وتفككه، في مقابل البقاء في السلطة والاستمرار في الحكم، وإن كان ذلك يتطلب استجلاب قوى خارجية مهيمنة قد تُفقد النظام نفسه سيادته واستقلاليته. علماً أنه في الفترة الأولى من الحراك في سوريا، كان لدى الكثيرين من حسن الظن بالنظام ما جعلهم يتوقعون بأنه لن يتجرأ على جر سوريا لحرب أهلية حقيقية، وأنه سيكتفي بوضعها على شفا هذه الحفرة ليذعن بعدها عاجلاً أو آجلاً لمطالب الشعب في ما يشبه السيناريو المصري، خصوصاً أن الدراسات تشير إلى أن الدول والمجتمعات يمكن أن تظل على وشك السقوط في حرب أهلية لسنوات دون أن تقع فيها.

وبالحديث عن سيناريو الحرب الأهلية ومآلاته (وهو السيناريو المرتبط بتخندق شريحة واسعة من السوريين ضد النظام بعد انشقاقهم عنه)، كان هناك خلاف من البداية حول تعريف الحرب الأهلية ومتى يمكن توصيف النزاع بين طرفين أو أكثر في بلد ما بأنه حرب أهلية. وبعيداً عن تعقيدات الخوض في التعريف والمصطلح يمكننا القول إن الحديث المبكر عن الحرب الأهلية في سوريا كان يقصد به دائماً تكرر أحد نماذج النزاع المجتمعي المسلح التي ظهرت في بعض دول المنطقة (لبنان، العراق، الجزائر).

وأيضاً كان هناك خلاف حول مآل الحرب الأهلية إن حدثت، وهل ستؤدي إلى سقوط الأسد من عدمه، ولا يزال هناك خلاف قائم إلى اليوم حول توصيف ما يجري في سوريا وهل هو حرب أهلية أم لا، ولكن الشيء الأكيد أنه لم يكن يُتوقع أن يبلغ حجم الاشتباك في الحالة السورية هذا الحد من الضحايا والدمار دون حسم مسألة رحيل الأسد، ورغم كثرة الحديث في وقتها (بداية الحراك 2011) في الأوساط الأكاديمية عن الحرب الأهلية فإن تطور الأمور لحد حصول حرب أهلية في

لافتراضات أهمها سوريا كان أمراً مستبعداً لدى الخبراء

  • أن الحرب الأهلية ستكون سبباً لتقويض النظام وليس لبقائه (أسوة بكل تجارب الحرب الأهلية)، على اعتبار أنها ستفقده شريحة واسعة من الشعب (العرب السنة والأكراد وغيرهم)، وستؤدي في النهاية إلى إيقاع خسائر ضخمة بالمكون الآخر الموالي للنظام وصولاً إلى تهالكه.
  • أنه وبالقياس على الحالة اللبنانية التي كانت وما زالت تشهد حالة تمايز وتباين بين المكونات أكبر بكثير من الحالة السورية، فإن الوقوع في حرب أهلية في لبنان استغرق وقتاً طويلاً ولم يحصل فجأة، والاعتراف أو تصنيف ما جرى وقتها على أنه حرب أهلية استغرق وقتاً أطول.
  • الانطباع السائد بأن سوريا أقل طائفية بكثير من دول أخرى، وإن تاريخها مع العنف أقل.
  • لم يكن واضحاً (وقتها) أن هناك مجموعات اجتماعية أو سياسية مختلفة تستعد لمثل هذا الصراع المفرط. (والذي ظهر فيما بعد أن مجموعات معينة من طرف النظام كانت تستعد فعلاً لمثل هذا الأمر من البداية، بل وإن النظام أو طرف منه دفع بهذا الاتجاه عن عمد).
  • الأسلحة الثقيلة وقتها لم تكن في المعادلة.
  • لم يكن يبدو أن من مصلحة أي من اللاعبين الإقليميين ودول الجوار بالتحديد أن تذهب سوريا بهذا الاتجاه، وبالقياس على الحالة العراقية فلم يبد أن لدى دول الجوار السوري أي مقدرة واضحة على استيعاب أو إدارة حرب أهلية أخرى في المنطقة خصوصاً في دولة كسوريا.
  • بالقياس (في وقتها) على طريقة تعاطي النظام في الثمانينات مع الحراك ضده فقد بدا أن النظام في الأشهر الأولى من 2011 يستخدم عنفاً أقل بكثير، كما أنه يخضع للرقابة الدولية ومتابعة وسائل الإعلام وهناك تطور في الاتصالات، وليس الحال كما في الثمانينات.

نستطيع أن نؤكد اليوم أن النظام من الأيام الأولى للحراك لم يكن يتوقع تدخلاً عسكرياً دولياً حاسماً، وأنه كان متأكداً إلى حد كبير من أن المجتمع الدولي لن يتخذ إجراءات عسكرية مباشرة ضده، بعكس العديد من الأطراف الأخرى التي كانت تظن أن المجتمع الدولي قد يتلكأ في التدخل، ولكن عاجلاً أو آجلاً سيتدخل عسكرياً ليحسم الوضع في سوريا، وفي مقدمة الذين كانوا يعتقدون بهذا الأمر الثوار السوريون أنفسهم، وشريحة واسعة من أعضاء الأجسام السياسية السورية المعارضة؛ ولذلك كان هناك حرص كبير جداً من قبل الطرف الثوري على تدويل الأزمة في وقت ما، وعلى نشر أكبر قدر من الأدلة على تورط النظام في المجازر وممارساته القمعية؛ ظناً منهم أن الصور القادمة من سوريا عندما تنتشر بالشكل المناسب فسوف يضطر المجتمع الدولي إلى اتخاذ إجراء حاسم.

ولطالما كانت هناك فجوة كبيرة في المسألة السورية في جانب البيانات؛ حيث إن تركيبة النظام وطريقة عمله ومراكز القرار فيه لا تعمل بشكل منطقي، وحتى سوريا نفسها كدولة وكشعب وحتى كجغرافيا لم تعد معروفة التفاصيل؛ بسبب حالة العزل والانغلاق التي عاشتها طوال العقود الماضية من حكم آل الأسد، وحتى بعد اندلاع الثورة في سوريا بقيت مساحات وتفاصيل كثيرة لما يحدث ولماذا يحدث، مبهمة أو غير مكتملة.

كل هذا لا يعني أن السيناريو المنطقي والعملي الذي كان من الواجب المضي به منذ أول يوم في الحراك هو تنحي الأسد، وتحقيق إرادة الشعب السوري بالتحول إلى دولة قانون ومؤسسات، وكل ما يتم العمل عليه اليوم، مهما كانت الظروف التي تجبرنا عليه، إنما هو عملية ترقيع وإصلاح للدور السلبي المحلي والإقليمي والدولي الذي لم يمض في هذا السيناريو بالقدر الكافي من الأساس.

سيناريوهات ومآلات الحالة السورية

1. التمكن الكامل للنظام: عودة سوريا كاملة تحت سيطرة النظام.
2. التمكن الكامل للمعارضة: سقوط النظام، سوريا بالكامل تحت سيطرة المعارضة
3. استمرار الوضع على ما هو عليه (استمرار النزاع والاشتباك):
– صراع إقليمي

ارتفاع وتيرة الصراع القائم بالوكالة ليتحول إلى حرب شبه مباشرة بين الأطراف الإقليمية على أساس عرقي وطائفي، أي توسع الصدع الجيوسياسي والعرقي والطائفي في الشرق الأوسط بسبب الحرب الأهلية في سوريا، تاركاً في أعقابه نزاعاً إقليمياً لا يمكن السيطرة عليه يؤدي إلى قلب النظام الإقليمي بعد الحرب العالمية الأولى.

– حرب أهلية مقيدة(محدودة الأطراف)

يختلف عن سيناريو “الصراع الإقليمي” بأنه لا يتصاعد إلى صراع مباشر ومستدام بين الجهات الفاعلة الإقليمية. فالحرب الأهلية السورية تستقر بدلاً من ذلك في صراع طائفي مطول ومتعدد الجوانب، متضمنة حرباً بالوكالة بين الخصوم الإقليميين.

4. التقسيم: (تحول سوريا إلى دويلات)

تبدو في خريطة سوريا اليوم بوضوح مفاصل صراع النفوذ ومعالمه، وهناك الكثير ممَّا يمكن كتابته عن تمدد القوى الخارجية في المناطق المختلفة مثل الروس والإيرانيين والأتراك والأمريكيين، وعن القوى المحلية وتبلورها على أساس عرقي أو طائفي أو جغرافي أحياناً، وعلاقة كل منها بالنفوذ الأجنبي الذي توجد في نطاقه، وعن الشقوق المجتمعية والتصدعات التي لا تنفك تكبر كل يوم، وعن النزعة للانفصال عند البعض وللاستقلال عند آخرين.

غير أن الحديث عن تقسيم سوريا يستدعي الحديث عن تاريخ هذه المنطقة الحافل مع مشاريع التقسيم، وعن جدية القوى المتصارعة اليوم في طرحها لمسألة التقسيم التي جربتها جميعاً على مدى الأعوام الخمس مئة الماضية، وآخرها المحاولة الفرنسية في بدايات القرن العشرين والتي انتهت إلى فشل ذريع ما زال يلاحق الفرنسيين إلى اليوم.

لقد كانت المنطقة الجغرافية التي عرفت باسم سوريا اليوم منطقة قلقة دائماً، ولم يكن ينظر إليها غالباً ككيان واحد؛ بسبب التباين الكبير نسبياً بين القاطنين فيها في العادات وطريقة العيش، والخلفيات الثقافية والانتماءات العرقية والمذهبية، ولكن وفي نفس الوقت ولأسباب جغرافية وسياسية واجتماعية، لم تكن هذه المنطقة قابلة للتقسيم، لذلك ومع تعاقب أشكال الاحتلال والسيطرة والانتداب والنفوذ التي مرت على هذه المنطقة، فقد كانت دائماً تقسم إلى ولايات أو متصرفيات أو أشكال إدارية أخرى ضمن حدود كبيرة تجمعها، وعندما قرر الفرنسيون أخيراً تقسيمها إلى دويلات واجهوا مقاومة من أبناء سوريا أنفسهم، انتهت إلى خروج الفرنسيين بعد أن جنحوا إلى خطة بديلة تتضمن تشكيل جيش الشرق وتقديم الأقليات، وتعريف مفهوم القومية في هذه المنطقة من رؤية الأقليات بالنسبة للأكثرية وليس العكس.

وبالرغم من الحديث المتكرر عن التقسيم في وسائل الإعلام وتردده في الأروقة السياسية فإن خيار التقسيم لا يبدو السيناريو الأكثر احتمالية في الحالة السورية، وغالباً هو الخيار الأضعف من بين الاحتمالات المنطقية بخصوص مستقبل سوريا، إن لم يكن بسبب التجربة التاريخية الفاشلة لهذا الخيار ولا بسبب التصادم مع مبدأ عدم السماح بقيام دولة على أساس عرقي أو ديني في العالم، فبسبب تبعاته الصعبة؛ لأن تقسيم سوريا إلى دول أو دويلات لن يؤدي فعلياً إلى تبلور دول ذات كيانات حقيقية مستقلة، وإنما ستتحول هذه الكيانات تدريجياً إلى أجزاء من دول مجاورة، فالمنطقة الوحيدة في سوريا التي يمكن أن تعيش منفردة بعيدة عن التبعية للجوار هي ما يطلق عليها مصطلح “سوريا المفيدة”، وهي المنطقة التي حرص النظام على التموضع والتخندق فيها ليس عسكرياً فقط وإنما اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً طوال الفترة الماضية.

أما المنطقة التي يسعى الكرد إلى الانفصال فيها فلا يوجد ما يؤشر إلى إمكانية تحولها إلى دولة فعلية، وستبقى منطقة قلاقل ونزاع بين جيرانها، وغالباً ستفشل قبل غيرها في البقاء والاستمرار، وفي المقابل ستكون مصدراً كبيراً لخلخلة الأمن في تركيا والعراق وباقي دول المنطقة ومنطلقاً للعمل ضدها.

وبعبارة أكثر دقة فإن أي كيان انقسامي من سوريا سيعاني من اهتراء داخلي يفضي إلى هلاكه أو ابتلاعه من دولة مجاورة.

ومن ثم فصحيح أن عملية تقسيم سوريا ستفضي إلى تشكيل دولة علوية ساحلية، يلحق بها حواضر مهمة مثل دمشق وجزء من حلب ومناطق أخرى، ولكنها ستكون معزولة إلى حد كبير عن محيطها وامتدادها المفترض وخصوصاً إيران، وفي المقابل ستعطي دول الجوار وفي مقدمتها تركيا والأردن والعراق أرضاً جيوستراتيجية.

وفي الحقيقة إن خيار التقسيم الذي يدور الحديث عنه كثيراً، بقدر ما يبدو أنه حل لإيقاف نزيف الدم المستمر في سوريا فإن طرحه فعلياً والمضي به يعني العكس تماماً؛ أي إنه سيكون سبب حرب كبيرة بين الأطراف الإقليمية والدولية المتصارعة في سوريا، وسيرفع من حدة المواجهة لما يمكن أن يصبح حرباً مباشرة بين أمريكا وروسيا وحلفاء كل منهما في العالم، ولعل ما حدث في “القرم” وتطور الأحداث هناك يعطي صورة مصغرة لما يمكن أن يحدث في الحالة السورية.

ولذلك فإن كل لقاءات أطراف الأزمة في سوريا وكل لقاءات المجتمع الدولي وكل تصريحات المسؤولين السياسيين تركز كثيراً على وحدة سوريا؛ لأن وصفة التقسيم ليست وصفة مجربة وفاشلة فقط، ولكنها اليوم أقصر الطرق نحو تحويل ما يجري في سوريا إلى حرب شاملة بين الأطراف.

  • تركيا وسيناريو التقسيم والدولة الكردية

وفي هذا السياق ربما يكون من المهم الإشارة إلى الدور التركي وحساسية سيناريو التقسيم بالنسبة لتركيا، فلقد كان من الواضح أن الحكومة التركية، على المستوى الرسمي المعلن على الأقل، لم تكن تمتلك رؤية سليمة لتسلسل الأحداث في سوريا، ولأسباب ذاتية-داخلية ترتبط بطبيعة المجتمع التركي والحراك السياسي الداخلي، واعتماد الاقتصاد التركي على الطاقة المستوردة، وأسباب موضوعية متعلقة بعدم وضوح رؤية الحليف الأمريكي لأفق الحل والتدخل في الأزمة السورية، وعدم توفر غطاء دولي، ولا حتى من حلف “الناتو”، لأي عمليات عسكرية وقائية في سوريا، وغيرها من الأسباب، كل ذلك دعا الحكومة التركية إلى التردد كثيراً في التدخل المباشر في سوريا، فانحصرت فعالية تركيا لوقت طويل على مبدأ الفعل ورد الفعل، وفق الممنوع والمسموح به أمريكياً، وهو ما انعكس على طبيعة دورها لاحقاً عندما قررت أن تختط لنفسها دوراً مستقلاً في المشهد السوري.

رغم ذلك فلا يمكن تصور أن يكون لتركيا نيات أو استراتيجية داعمة لتقسيم (وليس تقاسم) سوريا، خاصة أن تطورات الأحداث وتمدد تنظيم داعش إلى سوريا تم استغلاله من الميليشيات الكردية المدعومة من الولايات المتحدة، بصورة أفضت إلى تقوية الاتجاه المعادي لعملية السلام في صفوف الأكراد في تركيا، وعملية التقسيم في سوريا ستؤدي بشكل واضح إلى خلق كيان كردي من نوع ما، وهذا الكيان لا يحمل بالتأكيد نيات طيبة تجاه تركيا.

غير أن ضعف احتمالية المضي الفعلي في خيار التقسيم بقدر ما يبدو خبراً ساراً (ليس للجميع)، ولكن الخيارات البديلة عنه ليست أفضل منه بالضرورة، فكلها (أي الخيارات الأخرى البديلة) تمر عبر سيناريو التسوية المتفاوض عليها.

5. تسوية متفاوض عليها (تقاسم -وليس تقسيم- سوريا بين أطراف النزاع):

أبدت الأطراف الدولية اهتمامها مبكراً (باللامركزية) كأحد مفاتيح الحل السياسي في سوريا، ولعل أهم ما برز رسمياً بهذا الصدد المقترح الروسي بهذا الشأن في آذار(مارس) 2016. والتصريحات الروسية منذ إطلاق مسار الآستانة حول استعدادها للتعامل مع المجالس المحلية في مناطق سيطرة المعارضة، بهدف تسهيل وصول المساعدات الإنسانية وإطلاق عملية إعادة بناء الاقتصاد.

وكانت العديد من المؤسسات والجهات المعروفة بقربها من دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة قد تحدثت عن فكرة اللامركزية في وقت مبكر أيضاً، وكذلك الأمر بالنسبة للجهات الأوروبية، وبينما كانت مجموعات المعارضة في الميدان، منهمكة بالتركيز على فكرة رحيل الأسد سياسياً وضم مناطق جديدة لسيطرتها عسكرياً، أو منع سيطرة الأسد على مناطقهم، كانت اللجان السياسية والأممية تركز على تطوير صيغة مقبولة لتطبيق مفهوم “اللامركزية” في سوريا، ولعل أفضل ما طرح بهذا الخصوص الدراسة التي قدمتها مؤسسة “راند” بعنوان “خطة سلام من أجل سوريا” والمكونة من عدة أجزاء والتي صدر الجزء الأول منها في تشرين الثاني/نوفمبر 2015.

ومرة أخرى.. بينما القوى الدولية والإقليمية مشغولة بتطبيق خطة اللامركزية على الأرض، كل بحسب الطريقة التي تخدم مصالحه وتوجهاته ورؤيته للحل في سوريا، تنشغل القوى الثورية بتفاصيل التعامل مع هذه الخطط وردات الفعل غير المبنية على رؤية استراتيجية، وهو ما جعل من تفاعلات الفصائل والقوى الثورية غير ذات قيمة، وهذا كان من شأنه أن يقوي العامل الخارجي أكثر فأكثر، ويعطيه الفرصة لأداء دور أكبر والتحكم أكثر بمقدرات المناطق التي يوجد فيها.

مع بداية الحديث عن الحل التفاوضي في نهاية 2013 كان هناك رأي بأنه يمكن لوعد صادق من المجتمع الدولي، وربما تحت رعاية الأمم المتحدة، بتخصيص موارد كبيرة لإعادة إعمار سوريا بعد الحرب، أن يكون الحافز الذي يدفع الثوار إلى طاولة المفاوضات. في مقابل تعزيز الوجود الأمريكي في سوريا، الذي اعتبره البعض وجوداً ضاغطاً على النظام سيجعله يقبل بخوض مفاوضات حقيقية بشأن مصيره ومستقبل سوريا.

وبينما كانت الصورة المرسومة حول طريقة تجاوب النظام أنه لن يقبل ولن يشارك بشكل جدي في أي عملية تفاوض إلا إذا تم تكبيده خسائر كبيرة وحصل تراجع كبير في صفوفه، وبينما كانت الصورة المرسومة عن الثوار أنهم جاهزون للحل التفاوضي وأنهم حريصون على وقف إطلاق النار، فالذي تبين فيما بعد أن الأمور مختلفة تماماً؛ إذ ظهر واضحاً أن النظام، مدعوماً بروسيا وإيران، رغم كل الخسائر التي لحقت به فهو غير مستعد للتفاوض بل يظهر مزيداً من العدائية والإجرام غير المفهومين في كل مناسبة تفاوضية، في حين فُهم بعد ذلك بأنه تعبير عن قناعة النظام بأنه لن يذهب إلى مسار تفاوض جدي إلا أن يكون في موقف المنتصر نسبياً، وهذا طرح يحاكي الطريقة التي كانت تفكر فيها روسيا في حربها للمتمردين طوال الفترات الماضية.

في المقابل أظهرت المعارضة تمنعاً كبيراً عن المشاركة في المفاوضات، وقدمت شروطاً تتعلق بحضور بعض الدول من عدمها وبأجندة المفاوضات، ولدى الوصول إلى محطة وقف إطلاق النار ظهرت المعارضة المسلحة بمظهر الرافض لوقف إطلاق النار والمفاوض عليه بدل الحريص على تحققه. وهو ما أدى إلى حالة من التخلي والضغط على الفصائل تطورت إلى تركهم في مواجهة قوات الأسد والأكراد وداعش، وفي النهاية قبِلت المعارضة ومن ضمنها طيف واسع من ممثلي الفصائل المهمة، بحضور مؤتمرات الآستانة ووقعوا اتفاقيات وقف إطلاق النار وخفض التصعيد.

ومن ثم فلكي ينشط هذا السيناريو (الحل السياسي المبني على المفاوضات) كان لا بد من حدوث أمرين:

الأول: إخلال بموازين القوى يدفع بالأطراف المتنازعة إلى القبول بالدخول في مسار تفاوضي بشكل جدي، وهو ما يعني حدوث تحول في ميزان القوى بما يشكل حافزاً قوياً لمعظم الأطراف للتفاوض، ممَّا يتيح الضغط الخارجي في الوقت المناسب لتحقيق هذه الغاية.

ويبدو أن الروس استطاعوا إقناع الأتراك بطريقة ما بهذه النظرية، وهو ما دفع الأتراك إلى إظهار مرونة اتجاه تقدم النظام في حلب ومناطق أخرى، والعمل على تحقيق مكاسب خاصة بدل التمسك برحيل الأسد، والحرص على عدم تقدم قواته وتحقيقها مكاسب استراتيجية.

والثاني: إحداث تغييرات ديموغرافية على أرض الواقع لتسهيل عملية ضبط المناطق وتحقيق وقف حقيقي لإطلاق النار، حيث لا يتوقع أن تستقر هذه المناطق بالشكل المتداخل الذي هي عليه، فوجود قرى شيعية أو علوية مثلاً في وسط منطقة سنية سيعني استمرار حالة الاشتباك وتصفية الحسابات بين الأطراف، وكذلك الأمر بالنسبة للمناطق الكردية العربية وهكذا، وأيضاً الأمر نفسه بالنسبة للمناطق المؤيدة للنظام التي تحوي في أوساطها قرى أو نقاطاً مناهضة، لذا ووفقاً لهذا المعطى تم التغاضي من قبل الجهات الدولية عن كثير من عمليات التغيير الديموغرافي التي جرت وتجري على الأرض السورية، خصوصاً تلك التي تضمنت خروج أعداد كبيرة من أهالي بعض المناطق في دمشق وحمص إلى الشمال.

وفقاً لهذه المعطيات أصبح من الممكن تلخيص المحطات التي من المفترض أن يمر بها المسار التفاوضي بالخطوات التالية:

  1. تحقيق اتفاق لوقف إطلاق نار من نوع ما في سوريا، والفصل بين وقف إطلاق النار هذا وأي مفاوضات؛ بمعنى أن لا يتوقف مسار المفاوضات على خرق وقف إطلاق النار.
  2. تنشيط العملية الدبلوماسية لتشمل كل الجهات الفاعلة بما فيها السعودية وإيران.
  3.  تأجيل القضايا الخلافية المصيرية خاصة الخلاف حول مستقبل بشار الأسد.
  4.  إيجاد آلية لفرض وقف إطلاق النار والاستقرار الأمني عبر نشر قوات ضامنة خارجية في المناطق المختلفة من سوريا.
  5.  السماح لجميع الفصائل المسلحة بالانضمام لوقف إطلاق النار، باستثناء تلك التي صنفتها الأمم المتحدة جماعات إرهابية مثل داعش وجبهة النصرة.
  6.  نقل السلطات المحلية إلى الفصائل والأحزاب الداخلية للمعارضة والنظام والقوات الكردية، وفي الوقت نفسه المحافظة على الجهود العسكرية لضرب داعش في المناطق التي تسيطر عليها (اللامركزية).
أربعة أشكال للامركزية

أما بخصوص مفهوم اللامركزية وطريقة تطبيقه فتتحدث الخطط الأممية عن أربعة أشكال لتطبيق اللامركزية في سوريا:

لامركزية خفيفة (محدودة)

  • مناطقي.
  • تطبيق وتوسعة المرسوم التشريعي رقم 107.
  • لا يحتاج تغييراً دستورياً.
  • إيجابياته أنه يملك أساساً قائماً ومبنياً على دعم النظام.
  • سلبيته أنه يضفي شرعية على مبادرة النظام.

لامركزية كبيرة (إضفاء الطابع المؤسسي على السيطرة المحلية)

  • مناطقي.
  • نقل السلطة إلى المستوى المحلي، بما في ذلك تقديم الخدمات والقضايا المالية والأمن.
  • لا يحتاج تغييراً دستورياً.
  • إيجابياته: مبني على نموذج المجالس المحلية المدعوم بالفعل من الولايات المتحدة في المناطق المحررة.
  • سلبيته: أن تقع الوحدات الإدارية تحت سيطرة من لا يمكن التصالح معهم.

اللامركزية غير المتماثلة

  • تتألف المنطقة من عدة محافظات.
  • يتضمن بشكل رئيسي القبول بالحكم الذاتي الكردي سواء بحكم الواقع أو القانون،
  • يحتاج إلى تعديل دستوري.
  • إيجابياته: يعكس الوضع الفعلي على الأرض.
  • سلبيته: لا يعالج الفجوة الأساسية بين النظام والمعارضة السنية العربية.

اللامركزية المتماثلة

  • تتألف المنطقة من عدة محافظات.
  • يتضمن نقل تجربة الحكم الذاتي إلى مناطق المعارضة العربية،
  • يحتاج إلى تعديل دستوري.
  • إيجابياته: أكثر إنصافاً من النماذج غير المتماثلة، والوحدات الإدارية الأكبر تعزز القدرة على الحكم.
  • سلبيته: لا يملك أنصاراً بين العرب داخل سوريا.

ورغم الاتفاق الواضح بين الأطراف الدولية على المضي في خطوات هذا الحل فإن هناك العديد من التفاصيل التي لم يتم البت فيها أو الإعلان عن البت فيها بعد، مثل شكل اللامركزية التي سيجري العمل عليها، وقوى المعارضة الميدانية التي سيتم التعامل معها، ودور الأطراف الخارجية في عملية الانتقال السياسي، والتفاصيل الأخرى الخاصة بعملية الانتقال السياسي، وغيرها الكثير من التفاصيل التي لم تتضح بعد، ولكن…

بالمقابل هناك عدة نقاط باتت واضحة في مسار الحل المطروح يمكن إجمالها كالتالي:

  • خطوة اللامركزية في سوريا المتلخصة بإيجاد مناطق متفق عليها يتم التحكم بها من قبل قوى خارجية موجودة فيها إلى جانب السوريين، تبدو اليوم متحققة أكثر من أي وقت آخر.
  • التوافقات والاتفاقيات بخصوص الحل في سوريا تتخذ شكل الفرض من الأعلى للأسفل حيث يقوم (اللاعبون الكبار) بعقد مجموعة من الاتفاقيات ووضع الأطر، ثم ينتقلون لتحويل هذه الاتفاقات إلى إجراءات عملية عبر اتفاقيات ومفاوضات مع الأطراف الأخرى، تأخذ في الاعتبار التفاهمات المحلية التي تحكم الفاعلين على الأرض.
  • أن وقف إطلاق النار ووقف الاشتباكات ورفع الحصار عن المناطق، مرّ من خلال إحداث تغييرات ديموغرافية على الأرض.

ومهما كانت الصورة البراقة التي يجري رسمها اليوم عن إنجاز وقف إطلاق النار (الذي يعتبر أمراً هاماً فعلاً)، وعن التوافق بين الأطراف الدولية بخصوص خطوات الحل في سوريا، خصوصاً التوافق الروسي التركي والتركي الإيراني، فإنه من المؤكد أن المعطيات التي تقوم عليها كل هذه الخطط والتوافقات هي معطيات هشة، ليس أدل على ذلك من حجم التناقضات والصعوبات والتعقيدات التي تحيط بكل خطوة من خطوات أي اتفاق، وبكل مرحلة من مراحل تنفيذه، وهو أحد مبررات البطء الشديد في المضي بأي خطوة سلبية أو إيجابية في الشأن السوري، ومن ثم لا يمكن البناء عليها بشكل صلب، ولكنها في الوقت نفسه ليست اتفاقات مؤقتة أو يوجد بديل عملي عنها.

والنتيجة الفعلية التي تم الخروج بها حتى الآن يمكن تلخيصها بوقف إطلاق نار لأجل غير مسمى في مناطق محددة من سوريا، ووجود أجنبي متنوع في مناطق مختلفة من سوريا، وبدء ظهور سوريا اللامركزية على أساس ما عرف بمناطق خفض التصعيد، والتي تخضع بدورها لسيطرة وتحكم من قبل القوى الخارجية.

ومن المفترض أن تكون الخطوات المقبلة بعد حل مشكلة المناطق المحاصرة إلى حد كبير من خلال عمليات التهجير والتغيير الديموغرافي، هي التفاوض حول مسألة إعادة الإعمار وتقديم المساعدات الإنسانية، وإطلاق سراح السجناء باتفاق تبادلي، والاتفاق على إشكالية الدستور الذي سيتضمن بدوره كثيراً من المعالم الأساسية لشكل سوريا المستقبل. والدخول عملياً في المرحلة التي بات يطلق عليها: الانتقال السياسي.

تقسيم الفرنسيين لسوريا زمن الانتداب (1922)

الخريطة التي نشرها موقع ديبكا بعنوان: صفقة ترامب – بوتين حول المنطقة الآمنة في سوريا

ثلاثة مآلات لسيناريو الحل السياسي التفاوضي

بالنسبة للمآل الاستراتيجي للمضي في سيناريو الحل التفاوضي مع النظام، فإن هذا المسار قد يفضي إلى إحدى النتائج الثلاث التالية:

1. تقاسم سلطة رسمي بين النظام والمعارضة:

عبر عملية دبلوماسية بإشراف دولي وهذا هو التطبيق العملي لبيان جنيف1، ومؤتمر فيينا، وهو ما يتوقع أن ينتهي إلى ظهور سوريا جديدة بعد وقت من الزمن، حيث يُعتقد أن قبول النظام بمبدأ تقاسم السلطة والتشارك في الحكم مع المعارضة من شأنه أن يكون له أثر سلبي جداً على بنية النظام الديكتاتورية والقمعية؛ ممَّا سيسمح بقيام دولة من نوع آخر في سوريا ولو بعد حين.

يؤيد هذه النتيجة تصريحات المسؤولين الدوليين وفي مقدمتهم المسؤولون الأمريكيون والأوربيون، وأيضاً الخطوات العملية التي يتم اتخاذها ببطء في مسار الحل، والتي يمكن اعتبارها تمهيداً لهذه الخطوة مثل مشروع الدستور جديد أو المجلس رئاسي وغير ذلك.

قبل عامين من الآن كانت هناك عوائق كبيرة أمام المضي في هذا السيناريو وصولاً إلى حالة من تقاسم السلطة، مثل الأجهزة العسكرية والأمنية للنظام، والحدود الصارمة التي كانت تتبلور بين المناطق، ومظاهر التوريث التي يبديها النظام، وإصرار النظام على الوجود في مناطق معينة، وتأمين حدود وجوده في المناطق الساحلية ودمشق وحمص، ومؤشرات أخرى كثيرة كانت تشير إلى أن النظام ليس في معرض تقاسم السلطة مع أحد، وأن استعداده للتراجع إلى “سوريا المفيدة” أو خوض حرب باتجاه استعادة سوريا كاملة تحت سيطرته، أكبر بكثير من استعداده للقبول بحل تشاركي مع المعارضة يشمل كل سوريا.

اليوم هناك اختراق كبير فيما يخص تركيبة وولاء الأجهزة الأمنية والعسكرية للنظام، إذ تتنافس وتتصارع روسيا وإيران في السيطرة على مفاصلها والتغلغل فيها و “شراء” قياداتها، حتى وصل الحد إلى ظهور تشكيلات كاملة تعمل رسميا ضمن تركيبة النظام ولكنها في الحقيقة تتبع لروسيا أو لإيران، مثل الفيلق الرابع والخامس والفرقة الرابعة ومجموعات امنية وعسكرية أخرى كثيرة. وحتى قيادات الاجهزة العسكرية والأمنية في سوريا أصبحت مصنفة من حيث الولاء للروس أو للإيرانيين أو لطرف آخر.

أما بالنسبة للحدود الفاصلة بين مناطق المعارضة والنظام وبين مناطق المعارضة نفسها مع بعضها البعض، فلقد تم تمييع هذا الأمر إلى حد كبير مؤخراً بحيث ظهرت نقاط ومعابر بين هذه المناطق على اختلافها وحتى أن حركة تجارية من نوع ما نشطت بشكل محدود في وقت ما بين هذه المناطق. وبالتالي فإن الحديث عن حدود صارمة بين هذه المناطق أصبح من الماضي لولا التطورات التي حدثت مؤخراً بخصوص محاصرة النظام اقتصاديا والتي دفعت الأطراف المختلفة إلى إغلاق أي تعاون أو معبر أو اتصال مع مناطق النظام ريثما يتم التوصل لاتفاق سياسي.

أما بخصوص النظام نفسه وعائلة الأسد التي كانت تتحكم بكل شيء في سوريا، فقد تم توجيه مجموعة من الإهانات البليغة لرأس النظام من قبل حلفائه في مناسبة عدة منها إطلاق وصف غير مناسب عنه ، أو تجاوز الاعتبارات البروتوكولية والدبلوماسية لدى التعامل معه مثل تصوير بشار الأسد واقفا في خطوط خلفية بينما الرئيس الروسي يتحدث إلى مساعديه أو إلى عناصر من النظام نفسه، أو عدم وضع علم سوريا في لدى استقباله في زيارة لإيران ، وغيرها من الممارسات التي أظهرت ازدراءً واضحاً لرمز النظام الأول.

كل هذا يشير إلى أن قرار المضي في مسار تقاسم السلطة مع أطراف من المعارضة لم يعد النظام قادراً على إعاقته كما في السابق، ولكنه قادر بالتأكيد على المناورة والمماطلة فيه، لولا العقوبات الاقتصادية الأخيرة التي فعلتها الولايات المتحدة قبيل مؤتمر استانة وتجاوبت معها مختلف الأطراف إلى الآن بما فيها روسيا ، مما جعل النظام في موقف سيء جداً نتيجة التململ الكبير من قاعدته ومؤيديه وشعورهم المتنامي بأنهم وقفوا مع الطرف الخطأ، وهو ما يُتوقع أن يدفع النظام إلى التجاوب أكثر مع المبادرات الدولية والتوقف عن المماطلة والتمنع الذي يبديه.

2. إعادة دمج أجزاء أساسية من المعارضة المسلحة في أجهزة الدولة (النظام):

تحت مظلة حكم بشار الأسد، وهذه هي إحدى النتائج المتوقعة من التعويل على مسار الآستانة تحديداً، وعندما كان النظام قوياً كان ينظر لمسالة دمج مجموعات أو فصائل مسلحة في أجهزة الدولة على أنها إعادة إنتاج النظام.

ورغم المعطيات المعاكسة لهذه النتيجة مثل استحالة إقناع الفصائل والقوى الثورية بالمضي في هذه الخطوة، وصعوبة تكييف المجتمع السوري مع هذه النتيجة، ومعارضة قوى دولية وإقليمية مهمة، ولكن العديد من الخبراء يشيرون إلى أن المسار الحالي للعملية السياسية سيفضي قطعاً إلى هذه النتيجة، وأن روسيا والنظام والإيرانيين متفقون تماماً على بقاء النظام والأسد، واستمراره في الحكم على كل الأرض السورية ليس فقط للمرحلة الانتقالية وإنما لما بعدها،

أما الأطراف الأخرى التي تعارض هذا الطرح، وفي مقدمتها السعودية وتركيا، فقد أصبحت “مطواعة” اتجاهه منذ زمن بسبب فقدانها للآليات اللازمة لإزاحة الأسد عن السلطة، ولأسباب أخرى تتعلق بأوضاعها الداخلية والملفات الأخرى في منطقة كل منها، وهي إما أنها تخلت عن هذا المطلب وإما حولته إلى مشروع استراتيجي طويل الأمد يحتاج تحقيقه لـسنين طويلة، وهي استراتيجية مقبولة بالنسبة للنظام أكثر بكثير منها للمعارضة.

التجربة المهمة في هذا الإطار هي تجربة درعا، حيث بعد أن سيطرت القوات الروسية على المنطقة شكلت تشكيل مسلح من مجموعات وقيادات المجموعات المسلحة التي كانت تنشط في المنطقة ، يفترض أنه بشكل أو بآخر يتبع منظومة الدولة السورية، يبدو هذا التشكيل إلى الآن مرتبك كثيراً ولا يقوم بمهامه فعلياً وهناك تصارع كبير بينه وبين تشكيلات عسكرية أخرى تتبع النظام أو إيران.

يمكن القول أن الفصائل والجماعات المسلحة للمعارضة ليس لديها خيار البقاء ككيانات مستقلة عسكرية على طول الزمن، وسيكون عليها أن تختار عاجلاً أو آجلاً بين ان يتم حلها (بقرار ذاتي أو بفعل خارجي) أو أن تندمج في أجهزة الدولة السورية بشكل أو بآخر.

3. تقاسم الأرض بين القوى الإقليمية:

أضحى الساحل السوري وحمص منطقة نفوذ روسي بامتياز، توجد فيها عدة قواعد عسكرية وبحرية ومطارات روسية، لا يُسمح حتى لقوات النظام ومليشياته بالوجود فيها، بدءاً من طرطوس وصولاً إلى اللاذقية ومروراً بمدينة حمص، في حين باتت مناطق شرق الفرات مناطق نفوذ أمريكية، بينما تعزز تركيا بشكل مستمر من تواجد راسخ في الشمال، ثم هناك الوجود الروسي والامريكي في جنوب سوريا، وهناك التواجدات الإيرانية في نقاط مختلفة بعضها متداخل مع النظام وبعضها منفصل عنه في البادية السورية أو مناطق أخرى.

وبقدر ما يجري التسويق للوجودات الخارجية على أنها للسيطرة والتحكم بالمناطق الآمنة ومنع الاشتباك، إلا أن الاتفاقات التي تعقد من قبل النظام مع روسيا بخصوص وجودها في سوريا، وأعداد وحجم القواعد العسكرية التي ينشرها الجانب التركي في الشمال وغيرها من المؤشرات، لا تشير إلى أن انسحاباً قريباً من قبل هذه القوات يمكن أن يحدث، وبدلاً من ذلك تتحدث الوثائق مثلاً عن اتفاقيات روسية مع النظام للبقاء لعشرات السنين (أكثر من 50 عاماً)، ستبقى بموجبها هذه القوات على الأرض السورية.

ويمكن النظر إلى هذا احتمالية بقاء القوات الأجنبية لفترات طويلة، بقدر أكبر من الاحتمالية إذا أضفنا له حالة الترابط والتداخل التي تنشأ بالتدريج بين القوى الخارجية والمجتمعات التي توجد فيها، ومسألة التجنيس والتدخل في تشكيل المجالس المحلية وإدارتها وتحييد فواعل محليين (منتخبين أحياناً) لمصلحة فواعل موالين للقوة الخارجية، هذه المؤشرات وغيرها تعزز كثيراً من احتمالية بقاء هذه القوات لفترات طويلة جداً.

خلاصة

من الواضح أنه اليوم وبعد مرور ما يزيد على 8 سنوات من عمر الثورة فإن العديد من المعطيات التي كانت قائمة لحظة انطلاقتها قد تغيرت، وأن العديد من السيناريوهات التي كانت محتملة الحدوث لم تعد كذلك، بيد أن أهداف الثورة المتمثلة بالإطاحة بالنظام ووضع سوريا على سكة الانتقال إلى سوريا جديدة ما زالت هي محور الحدث في سوريا، والسيناريوهات والمسارات المطروحة اليوم إنما يحاول بعضها الوصول بالثورة لتحقيق هذه الأهداف أو الحياد بالثورة عنها.

والحقيقة أن الثوار استطاعوا تشكيل فاعل محلي حقيقي دفع بالمسار باكراً نحو رحيل الأسد، وأثبت جرم النظام رسمياً وحوله إلى طرف منبوذ، ودفع بالفواعل الدوليين والإقليميين إلى اتخاذ موقف معين ممَّا يجري، لقد صمد هذا الفاعل الثوري لفترة لم يكن يتوقعها أحد رغم حجم التضحية التي استلزمها الأمر، وتفاعل مع القوى المحيطة والمتداخلة في الشأن السوري، وحاول مجاراة كل الخطوات التي يقوم بها الآخرون إيجابية كانت أو سلبية، كل هذا يجعل من مسألة رحيل النظام وتغير الوضع في سوريا، وإن لم يكن المآل القريب الأكثر احتمالية، خياراً مطروحاً ولو بعد حين.

ولا زال الفاعل المحلي والثوري على وجه الخصوص، صاحب الكلمة الفصل في تحديد المآل الذي ستؤول إليه الأمور، ومحاولات تحييده عن دائرة الفعل عبر عزله عن التداخل في المسار، أو عبر توجيهه نحو قضايا جزئية وفئوية ومعيشية وإشغاله بها، أو عبر محاولة إقناعه بالاستسلام بحجة الإذعان للمعطيات الهشة على أنها معطيات واقعية، والتقليل من شأن إنجازات الحراك أو إشاعة روح الإحباط والضعف، وتأليب الحاضنة الشعبية، وتشكيل ودعم مجموعات عمل محلية صغيرة تفتقر للمقومات اللازمة للحفاظ على المنجزات أو إدارتها بالشكل الذي يضمن تحقيق أهداف الثورة، كل هذه الإجراءات وغيرها ممَّا يتم ممارسته بغية تطويع العامل المحلي والثوري أكثر فأكثر لصالح النتيجة التي يريدها الفاعلون الدوليون والإقليميون، سيكون من الحمق اعتبارها اعتباطية أو عفوية، ويجب التصدي لها والحرص على أن لا تأخذ مجراها.

ولكن بالرغم من كل ما سبق فيجب أن يكون حاضراً في طريقة تفكيرنا وفي خططنا ومواقفنا، أن نظام الأسد لم يتفكك بعد، وأن الأسد لم يرحل وقد لا يرحل في القريب العاجل، فلا نخلط بين ما هو هدف يُراد الوصول إليه وبين ما هو معطىً حقيقي نبني عليه.

والمعطى الحقيقي اليوم أن سيناريو حسم هذا الصراع بالتغلب العسكري المباشر على النظام ومن في صفه لم يعد قائماً، كما أن تغلب النظام على الثوار وحسم الصراع لمصلحته عسكرياً بشكل مباشر لم يعد احتمالاً قائماً أيضاً ليس الآن وإنما منذ فترة طويلة.

ولكن احتمالية تقهقر المعارضة بشقيها الميداني وغير الميداني وخسارة منجزاتهم نتيجة سوء تقدير الواقع أو ردات الفعل غير المدروسة أمر وارد أيضاً، وأن ما لم يتمكن النظام من تحقيقه بواسطة آلة القمع والإجرام في الفترة الماضية قد يصبح لقمة سائغة يبتلعها في المرحلة المقبلة إذا لم يتحلَ الفاعل المحلي والثوري بالدهاء والحكمة المناسبة للتعامل مع المرحلة.

وبعكسه فإن التموضع بالشكل الصحيح مع هذه المرحلة، وبذل الجهد والتضحية المناسبين سيحقق المزيد من المكتسبات للمعارضة، ويذهب بالأمور نحو المسار الأكثر ملائمة لتحقيق أهدافها الاستراتيجية.

أما الجنوح إلى استراتيجية الانعزال والخمول فليس إلا تخلياً واستسلاماً لن يفضيا إلا إلى المآل الأكثر سوءاً.

باسل حفار

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: