تحليلات

الحشد الشعبي | ملابسات التأسيس ومستقبل المواجهة مع الأمريكان

محمد صادق أمين

سقطت مدينة الموصل مركز محافظة نينوى شمالي العراق، ثاني أكبر محافظة عراقية بعد العاصمة بغداد، بيد مقاتلي تنظيم الدولة “داعش”، في 10 حزيران/ يونيو 2014، بعد هروب الجيش العراقي والقوات الأمنية أمام بضع مئات من مقاتلي التنظيم.

الانهيار الدراماتيكي لأجهزة الأمن والقوات النظامية في الموصل دفع التنظيم للزحف نحو محافظات غرب وشرق وشمالي العراق، فسيطر على غالبية مدن محافظات؛ صلاح الدين وكركوك (شمالا)، ديالي (شرقا)، الأنبار (غربا)، فيما تدخل التحالف الدولي وأوقف زحف التنظيم باتجاه إقليم كردستان بعد وصوله إلى مشارف محافظة أربيل عاصمة الإقليم.

إخفاق مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية في مواجهة التنظيم، دفع المرجعية الشيعية العليا في العراق للدعوة إلى تشكيل فصائل مقاومة شعبية، أطلق عليها لاحقاً اسم “الحشد الشعبي”، وبعد أن ساهمت في هزيمة التنظيم، وانتفى السبب الذي وجدت لأجله، تم تكييف أوضاع “الحشد” القانونية ليتحول من فصائل شعبية مسلحة، إلى مؤسسة باتت جزئاً من المؤسسة الأمنية الرسمية العراقية، وتحولت من مليشيات عسكرية إلى فصائل نظامية، يعلن جزء كبير من مكوناتها ولاءه لإيران في أدبياته العامة.

 وبعد تصاعد وتيرة المواجهة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، إثر وصول الرئيس الجمهوري اليميني دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، تحول “الحشد” إلى طرف في الصراع بين الجانبين على الساحة العراقية، وتمايز موقفه بشكل واضح بعد اغتيال قاسم سليماني القيادي البارز في الحرس الثوري الإيراني، وأبي مهدي المهندس نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي في 03 كانون الثاني/ يناير 2020.

وشكل ظهور قائد القوة الجوية للحرس الثوري الإيراني في مؤتمر صحافي، بتاريخ 9 كانون الثاني/ يناير، وخلفه علم الحشد الشعبي وأعلام فصائل أخرى في الشرق الأوسط، نقطة تحول كشفت بوضوح مرجعية الحشد السياسية، وتموضعه في الصراع الدائر بين واشنطن وطهران.

-الحشد وظروف التأسيس

خلال خطبة الجمعة بتاريخ 13 حزيران/ يونيو 2014، دعا المرجع الشيعي الأعلى في العراق على السيستاني بمدينة النجف جنوبي العراق، إلى التطوع للانخراط في القوات الأمنية بهدف الدفاع عن العراق ضد هجوم مجاميع “داعش”، وعرفت هذه الدعوة بفتوى “الجهاد الكفائي”.

وجاءت فتوى المرجعية بعد إعلان رئيس الوزراء العراقي حينها، نوري المالكي، تشكيل جيش رديف للجيش النظامي، مبرراً ذلك بـ”مواجهة الخطر الذي يحيط بالعراق”، علماً أن تشكيل ميلشيات عسكرية أمر محظور في القانون وفق المادة (9) من الدستور العراقي، إلا أن المالكي أصدر مرسوماً يسمح بتشكيل الفصائل المسلحة ذات الطابع الشعبي التطوعي.

وفي 11 حزيران/ يونيو 2014 أعلنت اللجنة الوزارية التي شكلها المالكي لإدارة أزمة هجوم تنظيم الدولة، في بيان صحفي عن تشكيل أفواج من المتطوعين تحت اسم “الحشد الشعبي” لدعم الأجهزة الأمنية، وتم الإعلان عن تشكيل “مديرية الحشد الشعبي”.

وبموجب الأمر الديواني رقم (47) الصادر من رئيس الوزراء بتاريخ 18 حزيران/ يونيو 2014، أصبحت “مديرية الحشد الشعبي” هيئة مستقلة تحت ذات الاسم.

وإعطاء الفصائل المسلحة صفة “هيئة مستقلة”، جاء كأول خطوة تمهيدية لتكييف وجودها في هيكلية الدولة العراقية، لتكون مؤسسة عقائدية رديفة للجيش النظامي، حيث اعتبر الفصل الرابع من الدستور العراقي الذي أقر عام 2005 ليكون دستوراً دائماً بعد الاحتلال عام 2003، أن “الهيئات المستقلة” تشكيل قانوني يوازي التشكيلات التنظيمية للهرم الخاص بالدولة والمتمثل بالسلطات؛ التشريعية والتنفيذية والقضائية.

ويعود أصل هذا القرار الإداري؛ إلى فترة حكم الحاكم المدني الأمريكي للعراق بول بريمر (2003-2004) حيث أصدر عدة أوامر اعتبر فيها بعض مؤسسات الدولة كـ”هيئات مستقلة”، ومن أهم تلك المؤسسات البنك المركزي العراقي، وديوان الرقابة المالية، وهيئة الإعلام، بموجب الأمر رقم (18) والأمر رقم (56).

ولتكييف وجود “الحشد” في مؤسسات الدولة، أقر مجلس النواب العراقي (البرلمان) قانون هيئة الحشد الشعبي، بتصويت أغلبية أعضاء البرلمان في 26 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، وتولى قيادة الحشد مستشار الأمن الوطني العراقي فالح الفياض، وأصبح أبو مهدي المهندس نائباً له إلى أن اغتيل مع قاسم سليماني، وهما عضوان سابقان في حزب الدعوة الذي يتزعمه رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي.

-اندماج الحشد في الدولة

بعد أن أعلن رئيس الوزراء العراقي السابق، حيدر العبادي، الذي خلف المالكي بعد انتخابات عام 2014، يوم 9 كانون الأول/ ديسمبر 2017، تحقيق النصر الناجز على تنظيم الدولة، ونهاية أكثر من ثلاث سنوات من المعارك استعادت من خلالها الدولة السيطرة على ما يقرب من ثلث البلاد، أدركت حكومته خطر بقاء المليشيات في جسد الدولة؛ خصوصاً بعد أن حولتها الهالة الإعلامية إلى صانعة للنصر، بالإضافة إلى وجود أطراف شيعية فاعلة في العملية السياسية ليس من مصلحتها وجود كيان ينافسها على الساحة، فطالبت جميع التشكيلات غير النظامية بتسليم سلاحها للدولة، إلا أن الدعوة لم تجد آذاناً صاغية، وبررت المجاميع المسلحة عدم امتثالها لأمر القائد العام للقوات المسلحة بوجود خلايا نائمة للتنظيم قد تشكل خطراً على الدولة في أي لحظة، بالإضافة إلى الاستناد إلى أصل تشكيلها الديني القائم على فتوى “الجهاد الكفائي”، مطالبين بأن يكون الحل بفتوى جديدة من المرجع على السيستاني والتي لم تصدر لحد الآن.

وبعد مداولات ونقاشات داخلية بين الحكومة والمرجعية وقيادة فصائل “الحشد”، تم التوصل إلى ضرورة إدماج مقاتلي الفصائل في المؤسسات الأمنية، وتقديم مرتبات مجزية للمقاتلين الذين يتم تسريحهم ويعودون للحياة المدنية طواعية.

الاندماج السياسي

الانتخابات التشريعية التي جرت عام 2018، كانت هي الأهم منذ احتلال العراق عام 2003، كونها الأولى التي تجرى بعد سيطرة “داعش” على مساحات واسعة من العراق، وهزيمته في حرب استغرقت ثلاثة أعوام، كان “الحشد” لاعباً أساسياً في تلك المعركة، ما أكسبه جماهيرية واسعة أغرت قادته باستثمارها في العمل السياسي.

قانون الأحزاب السياسية الذي أقر عام 2015، يحظر تسجيل أي كيان سياسي يتخذ شكل التنظيمات العسكرية أو شبه العسكرية، وأكد القانون على عدم جواز ارتباط الكيانات السياسية القائمة بأية قوة عسكرية.

 وتمهيداً لانخراط قادة “الحشد” في العملية السياسية، استقال العديد منهم من مناصبهم العسكرية، ليتمكنوا من المشاركة في الانتخابات، مشكلين تحالفاً سياسياً كبيراً حمل اسم تحالف “الفتح”، ترأسه القيادي البارز في الحشد والمقرب من إيران هادي العامري. 

وتشير بيانات مفوضية الانتخابات العراقية إلى تسجيل 23 حزباً تابعاً للحشد كمشارك في الانتخابات، من أصل 116 حزباً وكياناً سياسياً أبرزها؛ منظمة بدر، وعصائب أهل الحق، وكتائب النجباء، وحزب الله العراق، وحركة القائم، وحركة 15 شعبان، وكتائب رساليون؛ وتشير بيانات المفوضية إلى أن رؤساء هذه الأحزاب والأعضاء المسجلين فيها قدموا استقالاتهم من الحشد الشعبي وتعهدوا بعدم العمل العسكري.

وقد حصد تحالف “الفتح” 47 مقعداً من أصل 329 في البرلمان، ليحل بالمرتبة الثانية بعد تحالف سائرون الذي يتزعمه مقتدى الصدر، متقدماً على جناحي حزب الدعوة اللذان يتراسهما رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، والأسبق نوري المالكي.

وبذلك تحول “الحشد الشعبي” إلى لاعب مهم على الرقعة السياسية العراقية، التي يتنافس فيها اللاعبون على حصد المكاسب، مشكلاً خارطة سياسية جديدة غيرت معالم التنافس الشيعي الشيعي في العملية السياسية.

-الفصائل المكونة للحشد

ينقسم المقاتلون تحت مظلة “الحشد” إلى ثلاثة أقسام رئيسية:

القسم الأول: فصائل تشكلت خارج العراق وفي إيران تحديداً؛ أو تشكلت مع دخول القوات الأمريكية الغازية للعراق عام 2003، ومرجعيتها الدينية تعود للمرجع الشيعي ومرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي، لذلك يطلق عليها إعلامياً تسمية “الحشد الولائي”، ويقدر عددها بنحو 20 فصيلاً أبرزها؛ منظمة بدر بقيادة هادي العامري، وعصائب أهل الحق بقيادة قيس الخزعلي، وكتائب حزب الله بزعامة الراحل أبي مهدي المهندس، وسرايا الخراساني بزعامة علي الياسري، وحركة النجباء بقيادة علي الكعبي، وكتائب الإمام علي بقيادة شبل الزيدي، وكتائب سيد الشهداء بقيادة أبو آلاء الولائي، وكتائب التيار الرسالي بقيادة عدنان الشحماني، ولواء أسد الله الغالب بقيادة أبو فاطمة الموسوي، وقوات أبو الفضل العباس بقيادة أبو أوس الخفاجي.

القسم الثاني: يضم مجموعات عسكرية تشكلت بناءً على فتوى “الجهاد الكفائي”، وتعرف بـ”حشد العتبة” وتدين بالولاء للمرجع الشيعي العراقي علي السيستاني، وأسماؤهم مأخوذة من أسماء أضرحة أهل البيت التي يقدسها الشيعية في العراق، وهي؛ سرايا العتبة العباسية، وسرايا العتبة العلوية، وسرايا العتبة الحسينية.

القسم الثالث: فصائل مسلحة تتبع أحزاباً سياسية عراقية شيعية، وهي التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر، وجناحه المسلح سرايا السلام.

والمجلس الأعلى الإسلامي بزعامة عمار الحكيم، الذي كان جناحه العسكري الرسمي منظمة بدر، التي ابتعدت عن المجلس لإفساح المجال له للعمل السياسي عام 2007، إلا أن المجلس شكل مجاميع مسلحة هي؛ سرايا الجهاد، وسرايا العقيدة، وسرايا عاشوراء، اندمجت في الحشد بعد تأسيسه.

-التسليح والقدرة العسكرية

تسليح أمريكي: تعتبر الدولة العراقية ومخازن الجيش هي المصدر الأساسي لتسليح “الحشد”، خصوصاً بعد تحوله إلى كيان منضوي تحت راية أجهزة أمن الدولة، التي تأتمر بأمر رئيس الوزراء القائد العام للقوات المسلحة رسمياً، ويمكن القول إن السلاح الأمريكي وصل للحشد عبر مخازن الجيش العراقي، وهو ما أثار قلق واشنطن.

حيث استخدم “الحشد” في معاركه بمواجهة تنظيم الدولة، خلال الفترة الممتدة من 2014 ولغاية 2017، أسلحة ثقيلة ومتوسطة بعضها أمريكي الصنع، وتشير مصادر ميدانية إلى استخدام؛ الدبابات الأميركية الصنع “أم 1 إبرامس” (M1 Abrams)، وناقلات الجنود المصفحة “إم 113” (M113)، ومدافع “المورتر” (Morta) عيار 120 مم، والصواريخ المضادة للدروع “إي تي 4” (AT4).

وفي شباط/ فبراير 2018، كشف موقع “الديلي بيست” الأمريكي، عن محاولة الإدارة الأمريكية استرجاع دبابات “إبرامس” التي سلمتها للحكومة العراقية عام 2008، بسبب سيطرة فصائل ” الحشد” على تسع قطع منها.

تسليح روسي: التنافس بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، وتضارب مصالحهما في منطقة الشرق الأوسط، أدى إلى حالة استقطاب لأطراف الصراع فيها، ففي الوقت الذي اتخذت فيه واشنطن موقف العداء تجاه “الحشد”، عملت موسكو على التقارب معه، وقدمت له السلاح بدعم ووساطة إيرانية.

وأعلنت وسائل الإعلام المرتبطة بـ”الحشد” عن قيام زعيمها فالح الفياض بزيارات إلى العاصمة الروسية موسكو، خلال الفترات 10 حزيران/ يونيو 2016، و20 كانون الأول/ ديسمبر 2016، التقى خلالها سكرتير مجلس الأمن القومي الروسي، نيكولاي باتروشيف، وسلمه رسالة خطية إلى الرئيس فلاديمير بوتين.

وحصل الحشد على أسلحة روسية متوسطة وخفيفة وذخيرة الخاصة بها، فضلاً عن قاذفات من طراز “آر بي جي 7” (7RPG)، و “آر بي جي 9″، وبنادق قناصة مختلفة، وسترات واقية من الرصاص من دون مقابل.

وأشار تقرير صادر عن منظمة العفو الدولية في 5 كانون الثاني/ يناير 2017، إلى أن “الحشد” استخدم الدبابات الروسية نوع “تي 72” (T72)، وصواريخ “غراد” الروسية الصنع، وطائرات مسيرة للاستطلاع والتصوير، وغيرها من مستلزمات الحرب.

وكشف التقرير الدولي أن لدى “الحشد” ترسانة عسكرية مصدرها عدد كبير من دول العالم منها؛ دول أوروبية وإيران، كما أنه استفاد من عمليات نقل للأسلحة المصنعة فيما لا يقل عن 16 بلداً، وبينها دبابات ومدافع ميدان، وكذلك طيف واسع من الأسلحة الصغيرة.

غنائم داعش: اعتمدت فصائل “الحشد” على الترسانة العسكرية التي خلفها تنظيم الدولة في معسكراته التي فر منها مقاتلوه، والتي تقدر بمئات الأطنان من الأسلحة والتي تضم صواريخ وأسلحة متوسطة ومدافع وقذائف هاون، وكميات كبيرة ومتنوعة من الذخائر الحربية المتنوعة، والعبوات الناسفة والألغام، وتشير المعلومات الإعلامية إلى أن فصائل الحشد دخلت في تنافس محموم مع قطعات الجيش العراقي، للاستحواذ على معسكرات “داعش” التي خزن فيها كميات كبيرة من أكداس العتاد، بعد تحرير المدن والبلدات التي كان يسيطر عليها.

سيناريوهات المواجهة المحتملة

المواجهة بين أمريكا و”الحشد” لم تعد أمراً محتمل الوقوع، بل أصبحت متحققة على الأرض، بدأت باستهداف مقرات حيوية للحشد في العراق وسوريا، وانتهت باغتيال نائب رئيس الحشد صحبة رئيس فيلق القدس الإيراني.

في 9 أيلول/ سبتمبر 2019، تلقى الحشد الشعبي أول ضربة مفاجئة على الأراضي السورية، حيث تعرضت حركة “الإبدال”، التابعة للواء التاسع والثلاثين في الحشد، ويقوده جعفر الموسوي، الذي يوصف بأنه مقرب من الجنرال قاسم سليماني، لهجمات نفذتها طائرات وصفت رسمياً بـ”المجهولة”، لكن إعلام فصائل “الحشد” قال إنها إسرائيلية، وخلفت الهجمات قتلى وجرحى ناهز عددهم الـ40.

وفي 11 أيلول/ سبتمبر 2019، كشفت لجنة الأمن والدفاع في البرلمان العراقي، أن 12 غارة استهدفت مقرات ومخازن لـ”الحشد الشعبي” في العراق، خلال شهري تموز و آب 2019، بعضها تم التكتم عليه.

في المقابل شنت فصائل الحشد الشعبي هجمات متعددة على المصالح الأمريكية في العراق، واستهدفت السفارة في بغداد، وقواعد ومعسكرات يتواجد فيها جنود أمريكان.

وفي 27 كانون الأول/ ديسمبر 2019، هوجمت قاعدة “كي وان” (K1) العسكرية شمال غربي محافظة كركوك، والتي تضم قوات أمريكية وقتل فيها مقاول أمني أمريكي، وجرح بعض الجنود الأمريكان، فكان الرد الأمريكي بغارات على معسكرات كتائب حزب الله العراقي في مدينة القائم على الحدود السورية، وبعض قواعد الحزب في الداخل السوري، وخلف الهجوم 25 قتيلاً بالإضافة إلى عشرات الجرحى.

وفي 31 كانون الأول/ ديسمبر، رد الحشد باقتحام المنطقة الخضراء عبر حشد جماهيري غير مسلح، حاصر السفارة الأمريكية وأحرقت أبواب السفارة الخارجية في محاولة لاقتحامها، في مشهد ذكر بسيناريو احتلال السفارة الأمريكية في طهران عام 1979.

ويرى بعض المحللين أن اغتيال الجنرال قاسم سليماني، جاء بقرار مباشر من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للرد على اقتحام السفارة، وهو ما أدخل المواجهة بين “الحشد” والداعم الإيراني من جهة، وواشنطن من جهة ثانية في مرحلة العلنية بعد أن كانت مناوشات غير معلنة. 

ويمكن حصر خيارات المواجهة القادمة بين الجانبين في السيناريوهات التالية:

السيناريو الأول: مبني على عدم تغيير قواعد الاشتباك بين إيران وأمريكا، القائم على أن الطرفان لا يسعيان إلى حرب شاملة ويتفاديانها لأقصى حد، خصوصاً بعد الضربات المثيرة للجدل التي قامت بها طهران يوم 8 كانون الثاني/ يناير 2020، باتجاه قواعد أمريكية في العراق انتقاماً لمقتل سليماني، والتي وصفت بأنها رد محدود مقبول لدى واشنطن، وأدت إلى عودة الهدوء النسبي بين الجانبين.

وهذا يعني استمرار حروب الوكالة التي تشكل فيه فصائل الحشد ركناً ركيناً في مناوشاتها، وتشمل عمليات تحرش متقطعة ومتباعدة، ما يعني عودة الضربات المقيدة ضد “مجهول” للظهور، باستهداف محدود للمصالح الأمريكية من قبل “الحشد”، وفي المقابل عمليات استهداف لفصائل الحشد تنسب تارةً لأمريكا وتارة لـ”إسرائيل”.

السيناريو الثاني: المواجهة الشاملة، عند مراجعة ردود الفعل بخصوص اغتيال سليماني والمهندس الصادرة عن إيران، وعن الفصائل المسلحة المرتبطة بها على امتداد المنطقة؛ بما فيها الحشد الشعبي، نجدها تنصب في خانة الوعيد بالانتقام الذي يركز على إنهاء الوجود الأمريكي في المنطقة.

وعدم نجاح الطرق القانونية في إخراج القوات الأمريكية من العراق؛ رغم قرار البرلمان العراقي لذلك في 5 كانون الثاني/ يناير 2020، يأخذنا إلى سيناريو المواجهة المبنية على استنزاف الوجود الأمريكي عبر عمليات (كر وفر) تبرع بها الأذرع الإيرانية، وهذه المواجهة لن تكون آمنة بأي حال من الأحوال، إذ أن أي خطأ كبير؛ من قبيل قتل عدد من المواطنين الأمريكيين في إحدى هذه العمليات، سيعني الذهاب نحو المواجهة الشاملة التي لا يزال الطرفان حريصان على تجنبها.

والمواجهة الشاملة تعني؛ تنفيذ ترامب لتهديده باستهداف 52 هدفاً حيوياً في إيران، وبالتالي ستجد إيران نفسها في مواجهة المارد الأمريكي، ومع اختلال موازين القوى العسكرية بين الجانبين، سيكون الخيار الأوحد هو أخذ المنطقة بأسرها للمواجه باستخدام الأذرع، فالحشد الشعبي قادر على استهداف منصات النفط في العمق السعودي والكويتي، كما أن أذرعه في سوريا يمكن أن تشعل جبهة الجولان مع دولة الاحتلال في فلسطين، فيما يتولى حزب الله إشعال جبهة الجنوب اللبناني، وبالتعاون مع الحوثيين يمكن إغلاق طريق الملاحة الدولية في مضيق باب المندب، وفي حال إغلاق مضيق هرمز على سواحل الخليج بالتزامن، فإن ذلك يعني دخول المواجهة بين طهران وواشنطن، مرحلة التدويل الذي لايمكن حساب عواقبه، في ظل اصطفاف روسي صيني بجبهة واحدة ضد الانفراد الأمريكي بالعالم.

السيناريو الثالث: اتفاق نووي جديد، فرغم التصريحات الإعلامية النارية بين واشنطن وطهران، إلا أن الحركة المكوكية للدبلوماسية العُمانية في المنطقة تشير إلى استمرار الحوار بين أطراف الصراع وراء الكواليس.

ومع بلوغ العقوبات الأمريكية الاقتصادية ضد إيران مداها الأقصى ودخول الاقتصاد الإيراني في أزمة حقيقة، فإن احتمال الوصول إلى اتفاق جديد أمر وارد، وتلحظ أثاره في التصريحات المتبادلة، وأي تسوية تقودها إدارة ترامب مع الجانب الإيراني ستضع مسالة حل الحشد الشعبي على طاولة الحلول، إذ أن تنامي قوة الحشد يشكل عامل قلق لـ”إسرائيل”.

وشكلت مسألة حل “الحشد” إحدى القضايا الجدلية في العملية السياسية العراقية، حيث طالبت جهات عديدة بحله لانتفاء الحاجة لوجوده بعد هزيمة “داعش”، إلا أن الفيتو الإيراني حيّد هذه المطالب، ويمكن تسويق مسألة حل “الحشد” في إطار التوافق السياسي العراقي في حال توصل واشنطن وطهران لتسوية بينهما.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: