ملفات

مقاربة التدخل الروسي في ليبيا

1 – المقدمة

بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، تراجع التأثير الروسي على السياسة الدولية، وتضاءل اهتمامها بالقواعد العسكرية والقوة الروسية في الساحة الدولية، وذلك مقابل التركيز على الوضع الداخلي المتهالك، وخاصة فيما يتعلق بالانهيار الاقتصادي بعد سقوط منظومة الاتحاد السوفيتي.

لكن بعد استلام فلاديمير بوتين للحكم أعاد ترتيب الاولويات الروسية، وشمل ذلك وضع استراتيجية واضحة لتنمية الاقتصاد اعتماداً على موارد الطاقة، وإعادة تموضع روسيا كقوة عالمية في الساحة الدولية، والنظام الدولي. وتجسد كل ذلك بالتدخل الروسي في سوريا ومساندة النظام السوري في إعادة السيطرة على قسم كبير من المساحات التي خسرها لصالح المعارضة السورية، ثم التدخل الروسي في أوكرانيا واحتلال جزيرة القرم، ثم التدخل مؤخراً في الصراع الليبي عسكرياً وسياسياً، ودعمها لخليفة حفتر ضد الحكومة الشرعية المعترف بها من قبل الأمم المتحدة، ويندرج هذا التدخل باعتبار ليبيا منطقة نفوذ روسي قديم منذ حقبة الإتحاد السوفيتي.وهذا التدخل قد يمنح الروس مكاسب سياسية، وجيو سياسية، واقتصادية.

نحاول في هذه الدراسة توضيح المقاربة الروسية لتدخلها العسكري في ليبيا، واستقراء الأهداف التي تسعى لتحقيقها عبر هذا التدخل.

2 – أشكال التدخل العسكري الروسي في ليبيا

بعد سيطرة روسيا على مساحات واسعة من سوريا، أصبحت أعينهم على ليبيا، وبدأو بإرسال الأسلحة والمعدات العسكرية، والمرتزقة المعروفين بمجموعة “فاغنر ” لمساندة خليفة حفتر، الذي يسيطر على شرق ليبيا.

وشكلت مجموعة فاغنر حضوراً واسعاً في تصريحات القادة في دول عديدة، منحها بعداً يتجاوز تأثيرها كشركة خاصة لجلب المرتزقة، إلى أداة من أدوات التدخل الروسي المباشر في ليبيا. وقد قال الجنرال توماس فالدهاوزر، قائد القيادة الإفريقية (أفريكوم)، “إن روسيا تستخدم فاغنر من خلال توظيف مستشارين عسكريين مرتزقة، وخاصة في البلدان التي يسعى فيها القادة إلى حكم استبدادي، من أجل تحقيق المصالح الروسية بشروط مواتية”.

ومجموعة فاغنر الروسية مملوكة لـ Yevgeny Prigozhin ، وهو رجل أعمال له صلات وثيقة بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وبحسب موقع يورونيوز، فإن المرتزقة لديهم خبرة ميدانية سابقة في أوكرانيا، والذين يقاتلون الآن على خط المواجهة في ليبيا.

وفي يناير من العام الجاري، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن أكثر من 2000 من مرتزقة فاغنر يقاتلون حاليا في ليبيا.

ووفقًا لصحيفة The Telegraph، فإن شركة Wagner Group ترسل المرتزقة لمساعدة قوات حفتر في بنغازي. وتقدم الدعم لقوات حفتر بالدبابات والمدفعية والطائرات بدون طيار والذخيرة.

وقالت الأمم المتحدة إن مجموعة فاغنر الروسية لديها بالفعل ما لا يقل عن 1200 مرتزق في ليبيا.

واتهم وزير الداخلية الليبي فتحي بشاغة قوات فاغنر بتنفيذ هجوم كيماوي في ليبيا. وقال بشاغة للصحفيين إن المرتزقة استخدموا مادة الأعصاب ضد قوات حكومة الوفاق الوطني الليبية في منطقة صلاح الدين جنوب طرابلس.

ووفقاً لبيان القيادة العسكرية الأمريكية الإفريقية (أفريكوم) إنه ” يوجد طائرات عسكرية روسية قادمة من سوريا، وأعيد طلاؤها بهدف التمويه، لدعم المرتزقة الروس الذين يقاتلون إلى جانب قوات خليفة حفتر. ومن المرجح أن تلك الطائرات سوف تقدم دعمًا جويًا قريبًا”. وكانت صحيفة الصباح التركية قد ذكرت في وقت سابق أن ثماني طائرات حربية روسية من طراز MiG-29 و Su-24 قد طارت من سوريا إلى ليبيا لمساعدة قوات حفتر.

وهناك ايضاً قاعدتان عسكريتان روسيتان تعملان بالفعل في طبرق وبنغازي. ويعتقد الآن أن صواريخ الدفاع الجوي S300 الحديثة موجودة على الأرض في ليبيا.

وبعد سيطرة قوات حكومة الوفاق على قاعدة الوطية الجوية، استولت قواتها على نظام الدفاع الجوي بانتسير-إس 1 روسي الصنع في القاعدة، ولكن يعتقد أن المنظومة جاءت من الإمارات العربية المتحدة، وليس من روسيا بشكل مباشر.

وصرح دبلوماسيون غربيون لصحيفة “نيويورك تايمز” بأنه من أجل إصلاح المعدات العسكرية وحل المشكلات اللوجستية أنشأت روسيا قاعدة عسكرية في غرب مصر. ووفقاً لـ RBC في نهاية عام 2019، وتم إرسال وحدات من النخبة الروسية جواً من موسكو، الذين تم توجيههم لتدريب أفراد جيش حفتر.

ولم تتوقف أعمال روسيا وشركة فاغنر على تواجدهم في ليبيا وسوريا، بل تم

الإبلاغ عن أنشطة فاغنر في مدغشقر وجمهورية إفريقيا الوسطى. وقد قُتل سابقاً ثلاثة صحفيين روس كانوا يحققون في تورط فاغنر في جمهورية إفريقيا الوسطى عام 2018.

2- 1 خيارات التصعيد العسكري الروسي

في ضوء المعطيات الحالية، تمتلك روسيا ثلاث خيارات رئيسية لتدخلها العسكري في ليبيا على المدى المتوسط.

الخيار الأول: إستمرار الإعتماد على قوات فاغنر ، وتوظيف الميليشيات التي تقاتل إلى جانب نظام الأسد في سوريا، وأرسالهم للقتال إلى جانب حفتر . وبعد سيطرة روسيا على مساحات واسعة من سوريا، أصبحت لديها قدرة أكبر لإرسال قوات اضافية.

الخيار الثاني: الإستعانة بـ “القوات الشيشانية الخاصة”، وهذا الخيار لم يتم استخدامه في سوريا ،إذ يتمتع إقليم الشيشان في جنوب روسيا ذي الأغلبية المسلمة بجهاز عسكري متطور يصل عدد أفراده إلى 30 ألف جندي، والعديد منهم مدربون تدريباً عالياً، وهذه القوات تحت سلطة مباشرة للزعيم الشيشاني الذي عينه بوتين، “رمضان قديروف”. في حين أن قديروف نفسه قد سبق أن حرّض مرارًا وتكرارًا على نشر القوات الشيشانية في سوريا لمطاردة الجهاديين الشيشان، ولم يتم قبول طلبه سابقاً، لكن تم الموافقة على إرسال الشرطة العسكرية الشيشانية في دور غير قتالي.

والخيار الثالث: شن غارات جوية مباشرة في ليبيا، وهذا سيكون تصعيدًا كبيرًا ومباشرا من جانب موسكو، وسيؤدي إلى مواجهة مباشرة مع الأتراك في ليبيا (وهو الأمر الذي تجنبه البلدين في الحالة السورية). علما بأن الضربات الجوية الروسية المباشرة هي التي قلبت المقاييس في سوريا.

3- المصالح الاقتصادية الروسية في ليبيا

العامل الإقتصادي هو من الأسباب الرئيسية للدعم الروسي لقوات حفتر حيث ترتبط روسيا بليبيا بتاريخ طويل من المصالح الإقتصادية. في عام 2008، ذهب فلاديمير بوتين إلى حد إعفاء ديون ليبيا السوفييتية التي تبلغ حوالي 4.5 مليار دولار، مقابل شراء أسلحة روسية بقيمة 3 مليار دولار. كما وقعت شركة السكك الحديدية الروسية، وحكومة القذافي عقدًا بقيمة 2.6 مليار دولار لبناء خط سكة حديد بطول 550 كيلومترًا بين سرت وبنغازي. وكانت ممكن أن تستفيد موسكو أيضًا من 150 مليون دولار في مشاريع البناء، بالإضافة إلى ما يقدر بـ 3.5 مليار دولار في صفقات قطاع الطاقة. وكنتيجة مباشرة للانتفاضة الليبية في عام 2011، انسحبت روسيا من ليبيا، وخسرت عقودًا تقدر قيمتها بنحو تسعة إلى عشرة مليارات دولار. وحاليا، فإن الشركات الروسية الكبرى، ومعظمها من قطاع النفط والغاز مثل “تاتنفت”، مهتمة بالعودة إلى السوق الليبي.

وتعطي روسيا اهتماما أكثر لليبيا كونها تمتلك 46.4 مليار برميل من احتياطي النفط المؤكد، وهو الأكبر في إفريقيا والعاشر عالمياً. وليبيا مع موانئها ومحطاتها النفطية كانت على مدى عقود المصدر الرئيسي للطاقة إلى إيطاليا وجنوب فرنسا وبلدان أخرى في جنوب أوروبا. لأن تكلفة استخراج البترول في ليبيا وتوصيله إلى الأسواق الأوروبية منخفضة مقارنة بمصادر أخرى. مما يجعل ليبيا أحد المنافسين لروسيا في السوق الاوروبية. وعلاوة على ذلك كلما توقفت ليبيا عن إنتاج النفط، ترتفع الأسعار العالمية، مما يعود بالمصلحة على الروس بشكل غير مباشر.

وتأمل موسكو في لعب دور متزايد في الاقتصاد الليبي ونظام الرعاية الصحية والبرامج التعليمية. ففي عهد معمر القذافي وقعت الشركات الروسية اتفاقية مع الحكومة لإنشاء نظام متكامل للخدمات الطبية والتشخيص والعلاج عن بعد باستخدام أنظمة الاتصالات الحديثة. أما بالنسبة للتعليم، فقد أعلنت الحكومة الروسية العام الماضي أنها تهدف إلى تسجيل 710 آلاف طالب أجنبي من دول مختلفة في الجامعات الروسية بحلول عام 2025، مقارنة بـ 220.000 في عام 2017، ويشمل ذلك استيعاب طلاب الليبيين في روسيا، واعتمادًا على تطورات الوضع الأمني، قد تفتح بعض الجامعات الروسية فروعًا في ليبيا.

ولدى موسكو قناعة بأن التعاون في مجال الرعاية الصحية والتعليم يمكن أن يسمح لروسيا بتعزيز مصالحها طويلة المدى في شمال إفريقيا.

4 – الوجود الروسي في ليبيا يمنحها نفوذا على أوروبا

ليبيا هي دولة صحراوية يسكنها 6.5 مليون نسمة، وتقع في الجزء الأوسط من شمال أفريقيا، تبعد حوالي 390 ميلاً بحريًا من مالطا، و 486 ميلًا بحريًا عن جزيرة لامبيدوزا الواقعة في أقصى جنوب إيطاليا. ولها آلاف الكيلومترات من الحدود المشتركة ، يسهل عبورها مع الدول الإفريقية المجاورة (للجزائر ، ومصر ، وتشاد ، والنيجر ، والسودان وتونس) ، لذا فإن تأثير ليبيا على التطورات خارج حدودها وداخلها مهم جدا. فموقع ليبيا الرئيسي يضعها على مفترق طرق الساحل في جنوب أوروبا وشمال أفريقيا.

وكما هو الحال في مناطق الصراع الأخرى، لا يبدوا أن موسكو مهتمة بالتوصل إلى اتفاق سلام في ليبيا، طالما أنها تستطيع أن تتفوق على الغرب بشكل استراتيجي مع ضمان الوصول إلى الموانئ والطاقة. ومن الناحية التاريخية ، كان الوصول إلى موانئ المياه الدافئة في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​ذات أهمية كبيرة لصانع القرار الروسي، كجزء من تعزيز حضورهم كقوة عظمى في النظام العالمية. فخلال مؤتمر بوتسدام لعام 1945 ، حاول جوزيف ستالين دون جدوى المطالبة بالوصاية على مقاطعة طرابلس في ليبيا، وعلى الرغم من فشل محاولة ستالين، إلا أنه في سبعينات القرن الماضي انفتح معمر القذافي على موسكو، التي وفرت له الآلاف المستشارين العسكريين، وكميات ضخمة من المعدات العسكرية لتعزيز أنشطته بما في ذلك بناء قواعد صاروخية.

أن الحضور الروسي في ليبيا سيكسبهم نفوذًا كبيرًا على أوروبا على المدى الطويل، وسيتحكم الروس بملفين استراتيجيين بالنسبة للأوروبيين، الاول ملف الطاقة، والثاني ملف اللاجئين، الذي لا يزال مصدر قلق كبير لكثير من الأوروبين، مما يعني أن أي أزمة أخرى للاجئين تنبثق من ليبيا يمكن أن تعيد التوترات، وتعزز من تصاعد اليمين المتشدد ويزعزع استقرار الاتحاد الأوروبي الهش بالفعل.

وسيكون بإمكان الروس الضغط على دول الاتحاد الأوروبي من خلال هذين الملفين لتحقيق مكاسب فيما يخص قضايا انتشار الصواريخ في دول أوروبا الشرقية، وملف احتلال جزيرة القرم، والدفع من أجل إنهاء العقوبات المفروضة عليهم.

ومن ناحية أخرى، ستستغل روسيا إخفاقات الأوروبيين في ليبيا وتباين سياساتهم في الملف الليبي، كون فرنسا تدعم حفتر، بينما إيطاليا تدعم حكومة الوفاق سياسياً، وألمانيا تدعم الحل السياسي وعملية تسوية سياسية. وهكذا تصبح روسيا أكثر تأثيراً على الملف الليبي، بحكم تشتت الدول الاوروبية المجاورة ليبيا. ويبدو أن الروس حريصون على إرسال رسالة للأوربيين والأمريكيين من بعد تدخلهم في ليبيا، مفادها أن الروس لن يتوقفوا عند سوريا وأوكرانيا، وأن نجاحهم “في سوريا ليس مصادفة.

5 – التدخل الروسي في ليبيا، مقدمة للتمدد إلى القارة الافريقية

في أواخر عام 2018، أعلن مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق جون بولتون عن استراتيجية أمريكية جديدة تهدف إلى مواجهة كل من الصين وروسيا في أفريقيا بعد أن بات واضحا أن موسكو تريد زيادة وجودها في أفريقيا، بعد تصريح الرئيس فلاديمير بوتين حين قال ” إن إفريقيا هي إحدى أولويات السياسة الخارجية لروسيا، وتحدث عن الدعم السياسي والدبلوماسي، وعن مساعدات الدفاع والأمن، و المساعدة الاقتصادية للدول الأفريقية”.

وخلال الأعوام من 2014- 2019، شكلت القارة الأفريقية، باستثناء مصر 16٪ من صادرات الأسلحة الروسية، وفقًا لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI).

وبين 2017-2018، كانت لروسيا صفقات أسلحة مع أنغولا ونيجيريا والسودان ومالي وبوركينا فاسو وغينيا الاستوائية. وشملت تلك الصفقات، الطائرات المقاتلة، وطائرات الهليكوبتر المقاتلة، والنقل والصواريخ المضادة للدبابات، ومحركات الطائرات المقاتلة.

دوافع روسيا الاقتصادية واضحة للدخول إلى أفريقيا، إذ لديها نقص في بعض المعادن مثل المنغنيز والبوكسيت والكروم، وكلها مهمة للصناعات الروسية. كما أن لدى روسيا خبرة في قطاع الطاقة يمكن أن تقدمه للدول الغنية بالبترول في أفريقيا. وتفيد التقارير أن شركة لوك أويل العاملة في قطاع الطاقة لديها مشاريع في الكاميرون وغانا ونيجيريا وتتطلع إلى الاستحواذ على حصة في جمهورية الكونغو. وتعرض روسيا أيضًا تكنولوجيا الطاقة النووية للعديد من البلدان الأفريقية، بما في ذلك بناء أول محطة نووية في مصر، بتمويل قرض بقيمة 25 مليار دولار .

لذلك تسعى روسيا لأن تكون جزءً من المعادلة في ليبيا، وتثبيت قواعد عسكرية لها على سواحلها، لتكون نقطة انطلاق روسية إلى العمق الإفريقي وحجر أساس لحماية مصالحها.

6 – روسيا أكثر قوة في الشرق الأوسط عبر دعم قوات حفتر

أن السياسة الأمريكية المترددة تجاه الشرق الأوسط في عهد الرئيس أوباما، وتأييد الروس لقوات حفتر، أفسح المجال لموسكو لتأسيس علاقات دبلوماسية جيدة مع السعودية والإمارات. وبالنظر إلى ذلك، يمكن القول أنه كان من الصعب قبل وصول أوباما للحكم في أمريكا، ووقوف روسيا إلى جانب حفتر في ليبيا تصور تحسن في العلاقات الروسية والسعودية، والتي تطورت من خلال زيارة بوتين للسعودية، وعقد العديد من الاتفاقيات الاقتصادية.

كان بوتين قد قام بزيارته الرسمية الأولى إلى السعودية في فبراير/ شباط 2007، وكانت الأولى لرئيس روسي إلى شبه الجزيرة العربية. وفي عام 2017، قام الملك سلمان بأول زيارة له لروسيا. وفي عام 2019، زار بوتين السعودية، وترأس مع الملك سلمان مراسم التوقيع على سلسلة من المشاريع بمليارات الدولارات، من عقود الاستثمار بين البلدين، تستهدف قطاعات مثل الطيران، الثقافة، الصحة، والتكنولوجيا المتقدمة، حسبما أفادت وكالة فرانس برس.

وأشار بيان على موقع الكرملين، خلال اجتماع مع ولي العهد محمد بن سلمان، إلى أن الصندوق السعودي العام خصص 10 مليارات دولار لمشاريع الاستثمار الأجنبي المباشر المشتركة في روسيا.

وبعد السعودية، زار الرئيس الروسي الإمارات العربية المتحدة في 15 أكتوبر من نفس العام. واتفق الجانبان على مجموعة من الصفقات في مجالات الطاقة، والطاقة النووية والطيران والبيئة. ووقعت شركة بترول أبوظبي الوطنية اتفاقية مع شركة غازبروم الروسية للتطوير في الإنتاج والذكاء الاصطناعي وتقنيات استخراج النفط من الحقول الحالية. وقد حصلت شركة لوك أويل الروسية على امتياز الاستثمار بنسبة 5 في المائة من حقول أبوظبي للغاز. وهذه هي المرة الأولى التي تشارك فيها شركة روسية في مجال الطاقة في الإمارات . وكانت قيمة الصادرات بين البلدين في عام 2017، 2.5 مليون دولار، وفي عام 2018، ارتفعت التجارة بين الطرفين بزيادة 36%، حيث بلغت 3.5 مليار دولار.

أما مصر فقد ارتفعت قيمة الاستيراد مع روسيا، من 1.88، مليار دولار في عام 2015، إلى 4.575 مليار دولار في عام 2019. ووفقًا لـ SIPRI، فقد كانت روسيا خلال الفترة بين 2014-2018 من أكبر موردي الأسلحة الى مصر ، فقد وصلت نسبة الاسلحة الروسية التي استوردتها مصر من روسيا 30٪ من مجموع الصفقات المصرية للسلاح.

وأشار أحد المعلقين الروس،بإن “ليبيا عرضت قيمة مضافة مقارنة بسوريا من حيث أن مشاركة موسكو في شمال إفريقيا جعلتها أقرب إلى دول الخليج، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وكذلك مصر”.

7 – المكاسب السياسية الروسية من التدخل في الملف الليبي

سعت روسيا في بداية الازمة الليبية لتحقيق توازن بعلاقاتها مع الحكومة الشرعية المعترف بها من قبل الأمم المتحدة، ومع العسكري خليفة حفتر. ومؤخرًا مالت إلى حفتر، وعلى الرغم من الدعم العسكري غير المنقطع له على مدار الحرب، ظل المسؤولون الروس على اتصال مستمر بممثلي حكومة طرابلس أيضًا. وقد أعربت موسكو في عدة مناسبات عن استعدادها لدعم حكومة السراج مع الاعتراف رسميًا بكونها السلطة الشرعية لليبيا والدعوة إلى حوار ليبي.

وتسعى روسيا لإثبات أحدى ستراتيجياتها المركزية التي اعلنتها للعالم ولمواطنيها في السنوات الأخيرة، إذ قالت إن ما تخربه الولايات المتحدة، يمكن لروسيا أن تصلحه. ويروج المسؤولون الروس بانتظام الى أن الفوضى التي تعيشها ليبيا هي بسبب تدخل الناتو عام 2011. والذي أدانه بوتن بشدة آنذاك باعتباره المثال الواقعي لعدم الاستقرار الذي تسببه التدخلات التي تقودها الولايات المتحدة. وبذلك تكون روسيا قد أثبتت أنها تستطيع تشكيل نتائج سياسية إيجابية في الخارج دون عمليات عسكرية مكلفة أو حملات جوية.

و من جانب آخر فقد انخرطت روسيا بشكل منتظم مع القادة الأوروبيين في عملية السلام الليبية، في سعيها لتوسيع قيادتها في مبادرات حل النزاعات في منطقة الشرق الأوسط. وتأمل روسيا أيضًا بأن ترضي مساهماتها في عملية السلام مسؤولي حكومة الوفاق الوطني، الذي وصفتها بأنها تقوم بإثارة عدم الاستقرار في ليبيا.

في تاريخ 13.01.2020، استقبلت الحكومة الروسية السراج في موسكو. وساعد الضغط الروسي في عقد اجتماع بين حفتر ورئيس وزراء حكومة الوفاق الوطني فايز السراج، حيث كانت أول زيارة للسراج لروسيا. وزار نائب السراج أحمد معيتيق روسيا، حيث التقى بالقائد الشيشاني رمضان قديروف وميخائيل بوغدانوف نائب وزير الخارجية الروسي.

وزار خالد المشري، رئيس المجلس الأعلى للدولة الليبي، موسكو بدعوة من المجلس الاتحادي الروسي، لمناقشة العلاقات الثنائية وسبل معالجة الأزمة السياسية الجارية في ليبيا. وزيارة مشري، بصفته رئيس الهيئة التي تتخذ من طرابلس مقراً لها والمكلفة بتقديم المشورة لحكومة الوفاق الوطني المعترف بها من قبل الأمم المتحدة، ينبغي اعتبارها دليلاً على أن روسيا تريد الحفاظ على سياسة متوازنة بشأن لليبيا تحقق لها مكسب سياسي. وفي النهاية استطاعت روسيا الحصول على مقعد على طاولة المفاوضات في برلين.

8 – الخلاصة

في فترة أوباما وسياسته المترددة في الشرق الاوسط، واعلانه لعدة مرات عن نيته تخفيض الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، وتوقيع الاتفاق النووي مع إيران، لوحظ تراجع للدور الأمريكي في كثير من القضايا على الساحة الدولية، مما سمح لدول مثل روسيا والصين وتركيا أن تأخذ دوراً أوسع في دائرة التاثير على النظام الدولي، وجعلهم أقدر على التدخل في الصراعات الاقليمية والدولية، وتحقيق تواجد عسكري في دول مثل سوريا وليبيا، والتوسع في القارة الافريقية.

التراجع الامريكي أعطى روسيا دفعة أكبر في التواجد في ليبيا و تحقيق مصالحها وتثبيت تواجدها في الشرق الاوسط وشمال افريقيا، وتحقيق مناورة أكبر تجاه الدول الأوروبية في ملفات الطاقة واللاجئين. وبسبب عدم التوافق في الرؤى السياسية لدول الاتحاد الأوروبي تجاه الأزمة الليبية، أستغل الروس هذا الاختلاف في التوجهات لصالحهم، مما يقوي موقفهم في ليبيا، ويضعف موقف دول الاتحاد الأوروبي.

إن وقوف موسكو إلى جانب قوات حفتر في الأزمة الليبية يجعلها أقرب إلى دول الخليج، وخاصة المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وكذلك مصر. ولا يُنظر إلى دعم خليفة حفتر من قبل الاطراف الاقليمية على أنه سلبي، كما هو الموقف من دعم النظام السوري.

وهكذا سوف تعزز روسيا موقفها وتواجدها في الشرق الأوسط، من خلال كسب تأييد ثلاث دول مهمة في المنطقة. وسوف تحقق مكاسب في كافة المجالات من خلال مشاركتها العسكرية والدبلوماسية النشطة في شؤون المنطقة.

و تسعى روسيا من تدخلها في ليبيا ودعمها لخليفة حفتر لتحقيق عدة مصالح اقتصادية، في قطاعات البترول والبنية التحتية، وإعادة الاعمار مستقبلاً.

وعليه، فإن تمكن الروس من تعزيز حضورهم في ليبيا سيمنحهم قدرة أكبر على الوصول إلى الشرق الأوسط وأفريقيا، وستكون موانئ ليبيا العميقة في طبرق ودرنة مفيدة للبحرية الروسية لوجيستياً وجيوستراتيجياً، لا سيما بالاشتراك مع قاعدتهم في طرطوس السورية.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: