ملفات

تحديات المرحلة الراهنة في المغرب وإشكالية الانتقال الديمقراطي

مقدمة:

في عام 2011 هبت على المغرب رياح الربيع العربي الديمقراطي، فخرجت المظاهرات في مجموعة من مناطق المغرب تنادي بالإصلاح ومحاربة الفساد والاستبداد، مما حدا بالنظام الى تبني دستور جديد، وإجراء إنتخابات جديدة، تسلم على إثرها لأول مرة حزب من التيار الإسلامي السلطة في البلاد. حيث أعتبر الأمر آنذلك بمثابة تحول ديمقراطي جديد عرفه المغرب، وتم امتصاص غضب الشارع، وساد الأمل خصوصا في أوساط الشباب نحو مزيد من الإصلاحات في المغرب.

لكن هناك مجموعة من الأسباب المتداخلة جعلت هذه التجربة تعاني من بعض الإنتكاسات –رغم وجود بعض النقط المضيئة في التجربة-، على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، مما سرع بظهور مجموعة من المظاهرات، في عدة مدن مغربية، وعمق من تحديات الوضع الإجتماعي والإقتصادي الهش ، الأمر الذي خلف ورائه تبعات سياسية. وبالتالي ما فتأ النظام المغربي أن استعاد المبادرة من جديد من خلال أدوات التحكم في التجربة الجديدة. هذه الأوضاع سلطت الضوء على إشكالية الانتقال الديمقراطي في المغرب ومنه محاولة تضييق نطاق التغيير في البلاد.

Infographic

١. تحديات الوضع الاقتصادي والاجتماعي بالمغرب:

تحديات ومخاطر الوضع الاقتصادي:

عرف المغرب تطوراً ملموساً في مجموعة من المشاريع في السنوات الاخيرة، ولعل من أبرزها ميناء طنجة المتوسط، الذي يعتبر أكبر ميناء في إفريقيا وفي حوض البحر المتوسط. كما دُشنت أكبر محطة للطاقة الشمسية في العالم في مدينة ورزات، وتمكن المغرب من أن يصبح أول منتج للسيارات في القارة الأفريقية. كما يعتبر المغرب من بين أكثر الدول التي تعرف ارتفاعا في الاستثمار على المستوى الأفريقي. غير أن بريق هذه المشاريع والاستثمارات وضخامتهما لا يوازيه سوى سخط وتذمر أجزاء واسعة من المغاربة الذين يرون أنهم لا يستفيدون من هذه الطفرة الاقتصادية. مما يجعل الكثير من المغاربة يتسائلون عن عائدات وفوائد هذه المشاريع والاسثمارات على حياتهم اليومية، بالنظر لتفشي البطالة في صفوف الشباب وضآلة أجور العمال. كما أن عائد ذلك يظل مخيبا، فلا نمو اقتصادي حقيقي يتحقق ولا خلق لفرص شغل كافية. وأثاره على مستوى الاجتماعي والتشغيل والإنتاج، دون المستوى المنتظر. مما يزيد من الأسئلة حول توزيع الثروات في المغرب.

بالاضافة الى ذلك يعاني الاقتصاد المغربي، من تحديات داخلية، وما يصاحبها من هجرة غير شرعية وجرائم، واتساع دائرة الفقر والهشاشة لتشمل فئات في الطبقة المتوسطة، نتيجة التراجع الفعلي للدخل، إضافة إلى التقارير الى تشير الى تزايد الفساد الإداري والمالي داخل الادارة المغربية. مما يجعل الناتج المحلي الإجمالي ينقص بحوالي نقطتين مئويتين أي ما يعادل ملياري دولار سنويًا. يضاف إلى ذلك ضعف التنمية البشرية على مستوى المغرب كله، ومن المؤشرات الدالة على ذلك: نسبة الأمية التي وصلت إلى 49% في الأرياف وارتفاع نسبة الفقر والبطالة في صفوف الشباب وتراجع الفئات المتوسطة في المجتمع والخلل في قطاع التعليم على الصعيدين الكمي والنوعي. لهذا يبدوا أن الاقتصاد المغربي يدور في حلقة مفرغة، وحتى على المدى البعيد،  ليس متوقعا أن يتطور بشكل ملحوظ لأن وتيرة نموه ضعيفة ومتقلبة، حيث تبلغ سنويا مابين 2 ونصف و4 ونصف بالمائة وهو مستوى غير كاف ، حيث لا يصل حتى نصف المستوى المطلوب، إذا علمنا أن النمو المطلوب يتراوح مابين 8 و 9 في المئة سنويا.

وفي هذا السياق يصنف المغرب ضمن الدول ضعيفة الدخل، فمتوسط دخل الفرد المغربي حوالي 3000 دولار سنويا وهو ما يصنف المغرب ضمن الدول الفقيرة، حيث احتل المرتبة 119 عالميا في ترتيب الدول الأغنى في العالم من أصل 174. كما تُقدَّر الفجوة الاقتصادية الحالية تاريخيًّا بين المغرب وأوروبا بحوالي نصف قرن حيث إن مستوى المعيشة الحالي للمغاربة يضاهي نظيره لدى الفرنسيين في عام 1950.

كما كشفت التقارير أن شابًّا مغربيًّا من أصل اثنين تقريبًا ممن تتراوح أعمارهم بين 25 إلى 35 سنة ممن يحصلون على منصب عمل غالبًا ما يكون في القطاع غير الحكومي والذي يتميز بكونه هشًّا وغير مستدام.  لهذا فإن سعي السلطات المغربية  للترويج لما تعتبره “الاستثناء المغربي”- أي بدء  عملية الاصلاح – خاصة في السنوات التي تلت موجة الربيع العربي الديمقراطي، سرعان ما بدأ يثير شكاً حول نجاعته، وبدأت الأزمات تظهر الواحدة تلو الأخرى. وفي المحصلة يبدو أن الوضع الاقتصادي أصبح اليوم غير قادر على الاستجابة للمطالب الملحة للشعب، وغير قادر على الحد من الفوارق بين الفئات الاجتماعية، وعليه فالوضع الاقتصادي الغير المجدي في المغرب هو نتيجة لوضع سياسي غير محفز، وبالتالي فإن  مراجعة النموذج الاقتصادي يفترض أن يرافقها إصلاح سياسي حقيقي.

إحتقان اجتماعي محفز للغليان الشعبي:

شهد المغرب بعد عام 2011، موجات من الاحتجاجات الاجتماعية في عدة مناطق، إذ تزعم الشباب الحراك في كل من الريف وزاكورة وجرادة وغيرها من المدن المغربية. ويمكن القول أن بداية الاحتقان الحقيقي بعد عام 2011، جاءت مع حادثة مقتل الشاب محسن فكري في مدينة الحسيمة في أكتوبر/تشرين 2016، التي خلفت وراءها احتجاجات عارمة في مختلف مناطق المغرب، تداعياتها ما زالت متواصلة إلى الآن. وتعاني هذه المناطق من تباين اجتماعي ومناطقي كبير، على خلفية انتشار الفقر الشديد في العديد منها أبرزها المناطق المعزولة في  الأرياف والجبال.

وفي السياق نفسه كشفت هذه الاحتجاجات، الإحساس بالتهميش لدى سكان يعيشون أوضاعا اقتصادية صعبة. مما حدا بملك المغرب للدعوة للتفكير في نموذج تنموي جديد، للحد من الاحتقان الاجتماعي المتصاعد يومًا بعد يوم. لهذا فالسلطة المغربية تواجه احتقانًا اجتماعيًا يمكن وصفه بالاستثنائي، وقد سبق أن حذّرت العديد من التقارير المحلية والدولية من تنامي موجة الاحتجاجات الشعبية في المغرب بسبب الوضع الاجتماعي، إذ صنف المغرب من الدول العربية المرشحة لأن تشهد اضطرابات محتملة، خاصة مع ارتفاع الوعي الجمعي في المجتمع المغربي، وإعلان رغبتهم في إنهاء مشاكل الفساد والبطالة التي تعانيها فئات شعبية عريضة.

  في هذا الصدد أكدت مجموعة من التقارير أن 60% من المغاربة قريبون من عتبة الفقر  في الوقت الذي يعيش 4.9% من المغاربة في فقر حاد، كما يبلغ معدل البطالة العام قرابة 26.5% بين الشباب المتراوحة أعمارهم بين 15 و24 عامًا. أما قطاع التعليم، فقد احتل المغرب المركز 101 عالميًّا من بين 140 دولة، أضف إلى ذلك عجز المدرسة المغربية عن التغلب على التسرب المبكر من التعليم المدرسي، والذي تسبب في ارتفاع الأمية بأشكالها المختلفة.

وبالنسبة للوضع الصحي، يخصص المغرب حوالي 14 إطارًا طبيًّا لكل مئة ألف مواطن محتلًّا بذلك المركز 16 عربيًّا وهي نسبة ضئيلة. كما لا تتعدى نسبة العلاج في المستشفيات العمومية 5%، ناهيك عن سوء توزيع الخدمات الطبية حيث يتمركز 38% من الأطباء في جهتي الرباط والدار البيضاء.

       المحور الثاني: التحدي السياسي في المغرب: جيل جديد من الاحتجاجات:

يقدر عدد مستخدمي الإنترنت في المغرب بـ20 مليون مستخدم، أي ما يمثل 57.6% من مجموع السكان. لهذا إكتسبت مواقع التواصل الاجتماعي على غرار موقع “فيسبوك” و”تويتر” و”يوتيوب”، مكانة مميزة في المغرب، حيث تستعمل هذه المواقع للتعبير عن الآراء والمواقف السياسية . وقد أصبحت هذه المواقع الاجتماعية فاعلا جديدا بات يمتلك صوتًا مسموعًا ووقعًا وتأثيرًا لا يستهان به.

ويحسب لهذه المواقع الاجتماعية أيضا مواكبتها أولًا بأول لاحتجاجات المغاربة في مناطق الريف وجرادة وزاكورة، ونقلها لموجات الهجرة السرية وحملة المقاطعة التي استهدفت العديد من البضائع والشركات، وأيضًا نقلها للعديد من الوقائع التي تمس المجتمع وأحجمت وسائل الإعلام التقليدية عن نقلها. وبالتالي أصبح هنالك تصاعد للوعي الاجتماعي، وقد ساهم في ذلك شبكات التواصل الاجتماعي التي جسدت البديل لدور الأحزاب في خلق نقاش عمومي جاد يؤمن بعقلية المبادرة والإنجاز، عوض اللغة التي تستخدمها الاحزاب السياسية والتي كانت السبب في تعميم اليأس. بالاضافة الى ذلك ساهمت شبكة التواصل الاجتماعي في تجسيد التعبير السياسي الغير الرسمي وهو نشاط سياسي خارج قنوات التواصل المؤسساتية بين المجتمع والدولة، وذلك لعجز مؤسسات الوساطة –مثل الاحزاب والنقابات- في إيصال مطالب المواطنين للدولة، تماماً كما وقع مع حملة مقاطعة المنتوجات الاستهلاكية عام 2018، وكما حصل مع أغنية في بلادي ظلموني الشهيرة وأغنية عاش الشعب وغيرها.

خاتمة:

يبدو أن وضعية المغرب الراهنة لا تتطلب فقط إصلاحات هيكلية في إدارتها لمواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية، بقدر ما تتطلب وضوحًا سياسيًا واستقلالية في القرار السياسي للأحزاب. فحساسية المرحلة تقتضي من الاحزاب المغربية إدراك أن المصلحة العليا هي للوطن بعيدًا عن الحسابات الضيقة التي أغرقت هذه الأحزاب السياسية بالانتهازيين في إطار التوافقات السياسية. كما أن تزايد مظاهر الاحتقان على الساحة الاجتماعية تنتعش في الأجواء السلبية التي تخيم على الوضع العام في البلاد، حيث تتواصل الضبابية والأزمة في الحقلين السياسي والحزبي ويتعمق الإحساس بانسداد الآفاق أمام شرائح اجتماعية واسعة، في غياب مبادرات عمومية قادرة على احتواء الاحتقان عبر بث نفس إصلاحي قوي في مختلف مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

وينبغي التأكيد على أن الأزمة الحالية بنيوية وليست عابرة أو خاصة بأوضاع أو مناطق معينة في المغرب، بل هي وضعية تكشف عن شعور عام يتطلب مصالحة جديدة وردَّ الاعتبار للمواطن المغربي ولمختلف المناطق التي تعاني من عدم الإنصاف في التنمية. كما يجدر التأكيد على الحاجة لتعاقد سياسي جديد يصالح الشعب مع السياسة ربما أكبر من دستور 2011 إثر الربيع العربي. خصوصا أن الأحزاب السياسية والمؤسسات المنتخبة والنقابات وهيئات المجتمع المدني التي يفترض فيها القرب من الشعب، أصبحت لا تؤدي دورها في تمثيل هموم وتطلعات الشعب بل أصبح أفراد الشعب يعبرون بشكل فردي عن معاناتهم على شكل رسائل موجهة بشكل مباشر للسلطة العليا في المغرب وهو ملك البلاد دونما حاجة لوسائط حزبية أو نخب. ويبقى الأمل معقودا على المبادرات الشبابية ووسائل الضغط غير الرسمية وغير النظامية للعمل بشكل تدريجي لتحقيق هذا الانتقال.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: